مقدمة: ليبيا.. عمق استراتيجي لتركيا في المتوسط
لا تقتصر العلاقة بين تركيا وليبيا على الروابط التاريخية والثقافية العميقة، بل تتجاوزها إلى أبعاد جيوسياسية حاسمة، حيث تتشابك المصالح الاستراتيجية للبلدين في منطقة حيوية تشهد تحولات متسارعة. فكما تمثل سوريا عمقًا استراتيجيًا للأمن القومي التركي، تلعب ليبيا دورًا مماثلًا كعمق بحري استراتيجي، يؤثر بشكل مباشر على مصالح أنقرة في شرق البحر المتوسط.
هشاشة أمنية وسياسية تعصف بليبيا
تعيش ليبيا حالة من عدم الاستقرار الأمني والسياسي المتصاعد، يتجلى ذلك في الاشتباكات المسلحة المتكررة في العاصمة طرابلس، والتنافس السياسي بين حكومتي الشرق والغرب. هذه الهشاشة تثير مخاوف جدية بشأن مستقبل البلاد، وتنذر بعواقب وخيمة على أمنها واستقرارها، مما يهدد المصالح الاستراتيجية التركية في المنطقة.
"خريطة إشبيلية": الشرارة التي أيقظت تركيا
لعبت "خريطة إشبيلية"، التي نشرها باحثون إسبان عام 2004، دورًا حاسمًا في تغيير نظرة تركيا إلى دورها في البحر المتوسط. هذه الخريطة، التي منحت تركيا منطقة بحرية ضيقة جدًا، بينما وسعت المناطق الاقتصادية الخالصة للجزر اليونانية بشكل مبالغ فيه، كانت بمثابة صدمة لأنقرة، وحافزًا لها للتحرك نحو تأمين حقوقها في المنطقة.
اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا: نقطة تحول استراتيجية
جاءت اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، الموقعة عام 2019، لتشكل نقطة تحول استراتيجية في سياسة أنقرة في شرق البحر المتوسط. هذه الاتفاقية منحت تركيا منطقة اقتصادية خالصة واسعة، وأعطتها قوة دفع كبيرة في المطالبة بحقوقها في ثروات المنطقة، متحدية بذلك محاولات إقصائها من المعادلة.
استراتيجية تركيا الجديدة: إدارة الخلافات والوساطة
في ظل الوضع الليبي المعقد، تبنت تركيا استراتيجية جديدة تركز على "إدارة الخلافات" مع الأطراف الفاعلة، وتجنب التصعيد الذي قد يؤدي إلى تدهور العلاقات. تهدف هذه الاستراتيجية إلى الحفاظ على المصالح المشتركة، والعمل كوسيط بين حكومتي الشرق والغرب، لإنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات الليبية.
التواصل مع حفتر: تحول في السياسة التركية
على الرغم من دعمها للحكومة الليبية في الغرب، عملت تركيا على فتح قنوات اتصال مع القائد العسكري خليفة حفتر في الشرق. تجسد ذلك في زيارة نجل حفتر إلى أنقرة، وتوقيع عقود مع شركات تركية لتنفيذ مشاريع في الشرق الليبي. هذا التحول في السياسة التركية يعكس رغبة أنقرة في لعب دور أكثر توازنًا في ليبيا، والعمل مع جميع الأطراف لتحقيق الاستقرار.
التعاون التركي المصري: مفتاح الحل في ليبيا
ترى تركيا أن التعاون مع مصر ضروري لإيجاد حل مستدام للأزمة الليبية. يشهد التعاون التركي المصري نموًا مطردًا، ويتجاوز النطاق الاقتصادي إلى مجالات استراتيجية وعسكرية. يمكن لهذا التعاون أن يساهم في تنسيق الجهود بين البلدين، والوصول إلى رؤى مشتركة لحل الأزمات الإقليمية، بما في ذلك الأزمة الليبية.
خطوات استباقية لنزع فتيل الأزمة
في الختام، يتطلب الوضع الليبي الهش اتخاذ خطوات استباقية من قبل تركيا، بالتعاون مع الشركاء المحليين ودول الجوار، لنزع فتيل الأزمة، وإعادة الوحدة للدولة الممزقة، ودمج المؤسسات المنقسمة، والحيلولة دون تجدد القتال. إن دور تركيا المحوري في ليبيا يفرض عليها مسؤولية كبيرة في المساهمة في تحقيق الاستقرار والسلام في هذا البلد.


اترك تعليقاً