# ليس هذا زمن اليأس: بشائر الفجر في ليل الأمة الحالك
في غمرة الأحداث المتسارعة، وبينما تتقاذف الأمواج سفينة الأمة، تبرز فئة من الناس اختارت أن تترك ضجيج الكلام لسكينة العمل، وهجرت جدال الفارغين لتمخر عباب الجد والاجتهاد. هؤلاء هم الذين أدركوا حقيقة الصراع، وفهموا طبيعة الطريق، فاستقبلوا العمل رجاء تحقيق الأمل، موقنين أن الفجر لا ينبثق إلا من رحم الظلام الدامس.
الترفع عن سفاسف الأمور وقوة الهمة
إن أولى سمات هؤلاء العاملين هي تلك الجفوة المباركة التي وقعت بين جنوبهم ومضاجع المكتسبات الشخصية الضيقة. لقد تسامت هممهم، وترفعت نفوسهم عن طموحات أولئك الذين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا من “ساكني القاع”، أولئك الذين لا تتجاوز أبصارهم موضع أقدامهم، ولا تشغلهم إلا المصالح الوقتية الزائلة.
إن المؤمن الحق يدرك أن الاستمساك بالدين في وقت العسر ليس مجرد شعار يرفع، بل هو قبضة حازمة على الجمر، في زمن تكالبت فيه الفتن، وتنوعت فيه المغريات. إنهم يفعلون ذلك رجاء أن ينالوا أجر خمسين من الصحابة الكرام، كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ، ليس لأنهم أفضل من الرعيل الأول، بل لأنهم يجدون على الخير أعواناً قليلين، بينما يحيط بهم المرجفون من كل جانب.
معادلة الصبر والعمل في مواجهة الواقع
كلما اشتد الواقع سوءاً، وازدادت الظلمة قتامة، رأيت هؤلاء يزدادون بذلاً وعملاً، وصبراً وأملاً. إنهم لا يعرفون التراجع، ولا يقرون بالهزيمة النفسية؛ لأن عيونهم ترنو إلى غاية أسمى: أن يبعثوا في زمرة الأولياء، ويحشروا مع أولي العزم من الأنبياء.
إن مكر الماكرين، مهما عظم، لا يزيدهم إلا إيماناً وتسليماً. إنهم يستحضرون قول الله تعالى في محكم تنزيله: «وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا». فالمؤمن لا يرى في تكالب الأعداء وتجمع الأحزاب إلا دليلاً على صدق الوعد الإلهي، وعلامة على قرب الفرج.
سنة التدافع وإزهاق الباطل
يرى هؤلاء الربانيون في تزايد مكر الأعداء واشتداد وطأتهم سنة إلهية مطردة في إزهاق الباطل. فالبطل لا يشتد إلا ليُهزم، ولا يعلو إلا ليُقصم. وقد لخص شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الحقيقة العميقة في قوله: “ومن سنة الله: أنه إذا أراد إظهار دينه أقام من يعارضه؛ فيحق الحق بكلماته ويقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق” (الفتاوى 28/57).
إن وجود المعارضين والمبطلين ليس شراً محضاً، بل هو في طياته يحمل بذور النصر والتمكين. ويضيف ابن تيمية في موضع آخر موضحاً هذا المفهوم: “من أعظم أسباب ظهور الإيمان والدين، وبيان حقيقة أنباء المرسلين، ظهور المعارضين لهم من أهل الإفك المبين” (الجواب الصحيح 1/85). فبضدها تتبين الأشياء، وبالمعارضة تنجلي الحقائق، ويظهر زيف الباطل أمام سطوع نور الحق.
الروحانية العالية والتعلق بالحوض
على الرغم من وعثاء السفر وطول الطريق، يظل هؤلاء في راحة نفسية وطمأنينة قلبية؛ لأنهم رضوا من الدنيا برضا الرحمن عنهم. لقد هانت عليهم نفوسهم في سبيل المعالي، وكلما شعرت نفوسهم بفتور أو تعب، طمحت أبصارهم لتخترق حجب الغيب، لترى حوض نبيهم ﷺ.
هذا المشهد الإيماني هو الذي ينهض بأرواحهم، ويجعل أجسادهم تكاد تطير في جو السماء ألقاً وانشراحاً. إن الشوق إلى لقاء الحبيب ﷺ والنهل من يده الشريفة شربة لا يظمؤون بعدها أبداً، هو المحرك الأساسي الذي لا يهدأ، والداعي الذي لا يسكت، حتى يبلغوا تلك الغاية العظمى.
الثبات أمام المدائح والابتلاءات
إن العامل الصادق لا تفتنه المدائح العريضة، ولا تصرفه عن طريقه الثناءات الزائفة؛ فبصره شاخص نحو الهدف. وفي المقابل، لا تفتنه الابتلاءات ولا تصده المحن عن سبيله. لقد وهبوا أوقاتهم وهممهم لله، فكانت عاقبتهم على الله.
إنهم ينتظرون ذلك اليوم الذي يرفعون فيه رؤوسهم، يوم يلتقون بنبيهم، ويظفرون بلذة النظر إلى وجه الجليل خالقهم. تلك اللحظة التي تمحو كل تعب، وتنسي كل ألم، وتجعل كل تضحية في سبيل الله يسيرة وهينة.
رسالة تفاؤل في زمن الشدة
يقول القائل: “فإني -والله- ما كنت في زمن أشد فألاً، ولا في وقت أعلى أملاً منّي اليوم”. قد يتساءل البعض: كيف يكون ذلك والواقع يضج بالمآسي؟ والجواب هو الوعي التام بحجم المعاناة، وتزايد الشر، وتفاقم الخطر، ولكن مع يقين مطلق بأن للأمل نفحات، وللفأل علامات، وللنور إشارات لا يخطئها قلب المؤمن.
لقد وجد يعقوب -عليه السلام- ريح يوسف قبل أن يراه، رغم الحجب والمسافات الطويلة، ورغم أن من حوله قالوا له “إنك لفي ضلالك القديم”. هكذا هو المؤمن، يشم ريح النصر والفرج من وراء حجب الغيب، ويستشعر ضياء الفجر في مقدمات لا يبصرها النائمون الغافلون، وإنما يستأثر برؤيتها القائمون الساجدون العابدون.
النداء الأخير: الثبات والعمل
يا لطول حسرة اليائسين القاعدين غداً، حين يرون العاملين وقد قطفوا ثمار غراسهم، وحصدوا ما زرعوه في أيام المحن. ويا لشدة حسرة المنتكسين الذين نكصوا على أعقابهم عند أول اختبار، حين يبصرون الثابتين وقد حمدوا -عند الوصول- السرى وطول الأسفار.
لذا، فإليكم هذه الوصايا الجامعة:
1. اثبتوا: فالثبات في زمن المتغيرات هو كرامة الأولياء.
2. اعملوا: فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، والعمل هو ترياق اليأس.
3. ابذلوا: فالنصر يحتاج إلى تضحيات، والجنة حُفت بالمكاره.
4. استنيروا بالوحي: فكتاب الله وسنة نبيه ﷺ هما المنار الذي لا يضل من استهدى به.
ختاماً، تذكروا دائماً وأبداً، ورددوها في كل محفل، واغرسوها في قلوب الناشئة: ليس هذا زمن اليأس، بل هو زمن العمل الدؤوب، واليقين الصادق، والانتظار الواثق لنصر الله الذي وعد به عباده المؤمنين. فالفجر قادم، والباطل زاهق، والحق منصور بإذن الله.

اترك تعليقاً