قرع طبول الحرب: هل تقترب واشنطن من المواجهة المباشرة؟
تتصاعد نبرة التهديدات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط مع استمرار الولايات المتحدة في تعزيز قدراتها القتالية، حيث تشير التقارير إلى حشد قوة جوية وبحرية هي الأضخم منذ غزو العراق في عام 2003. ورغم أن هذا التحشيد قد يُصنف ضمن استراتيجية “الضغط الأقصى” لإجبار طهران على تقديم تنازلات سياسية، إلا أن احتمالات الانزلاق إلى مواجهة عسكرية تظل قائمة وبقوة، خاصة مع تحذيرات حلفاء واشنطن الإقليميين من تداعيات غير محسوبة لأي عمل عسكري.
في حال اتخذت الإدارة الأمريكية قراراً ببدء عملية عسكرية، فإن الأهداف التقليدية واضحة، لكن النتائج تظل محاطة بغموض شديد. إليكم تحليل لسبعة سيناريوهات محتملة قد تعقب أي هجوم عسكري أمريكي على الأراضي الإيرانية.
1. الضربات الجراحية وحلم التحول الديمقراطي
يفترض هذا السيناريو قيام القوات الأمريكية بتنفيذ ضربات دقيقة تستهدف عصب القوة الإيرانية، بما في ذلك قواعد الحرس الثوري، ومنشآت صواريخ البالستية، ومواقع البرنامج النووي. الرهان هنا هو أن يؤدي هذا الشلل العسكري إلى انهيار النظام من الداخل، مفسحاً المجال لثورة شعبية تقود البلاد نحو الديمقراطية. ومع ذلك، يرى المحللون أن هذا السيناريو “متفائل للغاية”، فالتجارب السابقة في العراق وليبيا أثبتت أن سقوط الأنظمة الديكتاتورية عبر التدخل الخارجي غالباً ما يعقبه سنوات من الفوضى والاقتتال الأهلي بدلاً من الاستقرار الديمقراطي.
2. النموذج الفنزويلي: الانحناء للعاصفة
يقترح هذا السيناريو بقاء نظام الجمهورية الإسلامية في السلطة، ولكن مع إجباره على تبني سياسات أكثر اعتدالاً نتيجة الصدمة العسكرية. سيعني ذلك تقليص نفوذ إيران الإقليمي، ووقف دعم المليشيات المسلحة، وتجميد البرامج النووية والصاروخية بشكل كامل. لكن التاريخ السياسي للمرشد الأعلى علي خامنئي، الذي يتسم بالتصلب ورفض التسوية، يجعل من هذا الاحتمال أمراً بعيد المنال، حيث يرى النظام في التنازل تهديداً وجودياً لبقائه.
3. تعزيز القبضة الأمنية والحكم العسكري
هذا هو السيناريو الأكثر ترجيحاً لدى العديد من الخبراء؛ فبدلاً من الانهيار، قد يستغل الحرس الثوري الإيراني الحالة الأمنية لفرض سيطرة عسكرية كاملة على البلاد. يمتلك الحرس الثوري تغلغلاً عميقاً في الاقتصاد الإيراني وجهازاً أمنياً قمعياً أثبت قدرته على سحق الاحتجاجات الداخلية. في خضم الفوضى الناتجة عن القصف الأمريكي، قد تتحول إيران إلى دولة يحكمها العسكر بشكل مباشر، مما يقضي على أي آمال في الإصلاح الداخلي.
4. الرد الصاروخي واستهداف الحلفاء
تمتلك إيران ترسانة ضخمة من الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة المخبأة في منشآت تحت الأرض، وهي قادرة على الوصول إلى القواعد الأمريكية في الخليج (البحرين وقطر) وضرب أهداف حيوية في دول الجوار. هجوم أرامكو عام 2019 كان بمثابة رسالة واضحة حول مدى ضعف البنية التحتية النفطية في المنطقة أمام التكنولوجيا الإيرانية. وتخشى دول مثل السعودية والإمارات من أن تصبح ساحة لتصفية الحسابات، مما دفعهما لإعلان رفضهما استخدام مجالهما الجوي لشن هجمات ضد طهران.
5. سلاح النفط وإغلاق مضيق هرمز
يعد مضيق هرمز الشريان التاجي للاقتصاد العالمي، حيث يمر عبره نحو 25% من إمدادات النفط والغاز العالمية. إقدام إيران على تلغيم المضيق أو إغلاقه سيتسبب في قفزة جنونية بأسعار الطاقة واضطراب في التجارة الدولية. ورغم أن إيران ستتضرر اقتصادياً من هذه الخطوة، إلا أنها قد تستخدمها كـ “خيار شمشون” لجر العالم أجمع إلى أزمتها، وهو ما تدركه القوى الآسيوية الكبرى مثل الصين.
6. حرب “الأسراب” وغير المتكافئة
تدرك البحرية الإيرانية عدم قدرتها على مواجهة الأسطول الخامس الأمريكي بشكل تقليدي، لذا تعتمد استراتيجية “هجوم السرب”. يعتمد هذا التكتيك على إطلاق مئات الزوارق السريعة الانتحارية والطائرات المسيرة في وقت واحد لإرباك الدفاعات المتطورة للسفن الحربية الأمريكية. إغراق مدمرة أمريكية أو أسر بحارة قد يمثل إحراجاً سياسياً كبيراً لواشنطن، ويذكر بوقائع سابقة مثل الهجوم على المدمرة “يو إس إس كول”.
7. الفوضى الشاملة والانهيار الإنساني
السيناريو الكارثي يتمثل في تحول إيران إلى “سوريا كبرى”. مع وجود 93 مليون نسمة وتعدد العرقيات (أكراد، بلوش، أذربيجانيين)، فإن غياب السلطة المركزية قد يؤدي إلى حروب عرقية وأهلية طاحنة. هذا الانفجار لن يقتصر أثره على الداخل الإيراني، بل سيخلق أزمة لاجئين غير مسبوقة تهدد استقرار دول الجوار وأوروبا، وتحول المنطقة برمتها إلى بؤرة للصراع المستمر.
في الختام، يظل السؤال القائم: هل يمتلك صانع القرار في واشنطن استراتيجية خروج واضحة؟ إن الحشد العسكري الكبير قد يضع الإدارة الأمريكية أمام مأزق “فقدان ماء الوجه” إذا لم تتحرك، لكن التحرك دون هدف نهائي قد يشعل حريقاً في الشرق الأوسط لا يمكن إطفاؤه لعقود.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً