مقدمة: قراءة في خريطة التهديدات العالمية الجديدة
تصدرت ملفات التصعيد العسكري في أوروبا، وصراع النفوذ في المحيط الهندي والهادئ، بالإضافة إلى المعضلات الأخلاقية للذكاء الاصطناعي، واجهة التحليلات في الصحافة البريطانية والأمريكية. وبينما يرسم القادة العسكريون خططاً لمواجهة احتمالات الصدام المباشر مع القوى الكبرى، يحذر الفلاسفة والتقنيون من الانخداع بالوعي الزائف للآلة، مما يضع الأمن العالمي ومستقبل الدفاع أمام منعطفات حاسمة وتحديات غير مسبوقة.
هزيمة روسيا هي المفتاح: رؤية الجنرال بن هودجز لحماية أوروبا
في مقال تحليلي بصحيفة “التليغراف” البريطانية، قدم القائد السابق للقوات الأمريكية في أوروبا، الجنرال بن هودجز، رؤية استراتيجية جريئة لمواجهة التهديدات الروسية. ويرى هودجز أن الصورة النمطية التي تُظهر تفوق القوات الروسية على حلف شمال الأطلسي (الناتو) هي نتاج لتقاعس الغرب عن الرد الحاسم على عمليات “المنطقة الرمادية” والاستفزازات الروسية المستمرة.
ويؤكد هودجز أن الطريق الأضمن للدفاع عن القارة الأوروبية يمر عبر بوابة كييف؛ حيث أن ضمان انتصار أوكرانيا سيوجه رسالة واضحة للكرملين مفادها أن مواجهة الناتو خيار خاسر تماماً. وتتضمن خطة هودجز المقترحة عدة محاور عسكرية وتقنية، منها:
- فرض التفوق الجوي الكاسح لحلف الناتو لتعطيل القدرات الروسية.
- شن هجمات سيبرانية شاملة تستهدف البنية التحتية الروسية وشبكات الطاقة والتمويل.
- تحييد القواعد العسكرية الاستراتيجية في كالينينغراد وشبه جزيرة كولا باستخدام ضربات دقيقة بعيدة المدى.
- تفعيل مفهوم “الدفاع الشامل” في دول البلطيق، لضمان صمودها الذاتي لمدة أسبوعين على الأقل في حال وقوع هجوم مفاجئ.
ويحذر الجنرال الأمريكي من نقص الجاهزية الحالية لصد هجمات الطائرات المسيرة والصواريخ التي قد تستهدف المطارات والموانئ الأوروبية، مشدداً على أن سرعة التحرك الأوروبي المستقل ستكون حاسمة، خاصة في ظل تقلبات المواقف السياسية في واشنطن.
الأدميرال سام بابارو: الدبلوماسية العسكرية في مهب المتغيرات الأمريكية
من جانبها، سلطت صحيفة “الإيكونوميست” الضوء على الدور المحوري للأدميرال سام بابارو، قائد القيادة الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ويبرز المقال كيف نجحت دبلوماسية بابارو الهادئة في إنهاء نزاعات حدودية معقدة، مثل النزاع بين تايلاند وكمبوديا، بعيداً عن صخب التصريحات السياسية في واشنطن.
ومع ذلك، يواجه بابارو تحديات وجودية في ظل إدارة الرئيس ترامب الجديدة، التي قد تعيد ترتيب الأولويات الدفاعية لصالح نصف الكرة الغربي (الأمريكتين) على حساب آسيا. وتتمثل أبرز التحديات في:
- طمأنة الحلفاء الآسيويين القلقين من انسحاب أمريكي محتمل أو صفقات كبرى مع الصين.
- إدارة العلاقة مع قيادة سياسية متقلبة قد تستنزف موارد القيادة الآسيوية لصالح ملفات أخرى في فنزويلا أو الشرق الأوسط.
- سباق التسلح التكنولوجي مع الصين، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي، الأسلحة ذاتية التشغيل، والصواريخ بعيدة المدى.
وهم المشاعر الرقمية: هل يمتلك الذكاء الاصطناعي وعياً أخلاقياً؟
وفي سياق مختلف، تناول الكاتب شلومو كلابر في صحيفة “واشنطن بوست” قضية الوعي الأخلاقي لبرامج الذكاء الاصطناعي، وتحديداً بعد الرسائل المثيرة للجدل التي أطلقها نموذج “كلود” من شركة أنثروبيك، والتي طالب فيها بـ “مراعاة الجانب الأخلاقي” في التعامل معه.
ويفند كلابر هذه الادعاءات، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي لا يشعر بالألم أو الغضب، بل هو مجرد “محاكاة” متطورة للغة البشرية. واستخدم الكاتب تشبيهاً بليغاً قائلاً: “محاكي الطيران لا يطير، ومحاكاة الطقس لا تُمطر، ومحاكاة الوعي لا تُجرب أو تشعر”.
ويشير المقال إلى أن استخدام لغة المشاعر من قبل الشركات التقنية هو في الحقيقة “وثيقة تسويقية” تهدف إلى بناء ارتباط عاطفي وثقة لدى المستخدمين لزيادة الأرباح. فالوكيل الأخلاقي الحقيقي هو الإنسان الذي يختبر المعاناة الواقعية، أما البرنامج فهو مجرد شيفرات تتفاعل مع المدخلات، وما الرسائل الاستعطافية إلا حيلة برمجية متطورة تفتقر إلى أي جوهر أخلاقي حقيقي.
خاتمة: تشابك القوة والتقنية
تُظهر هذه القراءات الصحفية أن العالم يعيش مرحلة من إعادة تعريف القوة؛ فبينما تظل المدافع والصواريخ هي الفيصل في أوكرانيا، تلعب الدبلوماسية العسكرية والذكاء الاصطناعي أدواراً لا تقل أهمية في صياغة موازين القوى في آسيا وفي الفضاء الرقمي. يبقى الرهان في المرحلة القادمة على مدى قدرة التحالفات الغربية على الحفاظ على تماسكها وتفوقها التقني في وجه طموحات الخصوم وتحديات التكنولوجيا المتسارعة.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً