رؤية استراتيجية: هل تنهي الضربات الأمريكية نفوذ طهران؟
في قراءة تحليلية معمقة للمشهد الجيوسياسي، يستعرض الكاتب الأمريكي ديفيد إغناتيوس في صحيفة "واشنطن بوست" أبعاد المواجهة العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران. ويرى إغناتيوس أن ما تحقق قد يُصنف كـ "نصر تكتيكي" قصير الأمد، لكنه يفتقر إلى مقومات الانتصار السياسي الحاسم الذي قد يؤدي إلى انهيار النظام.
نصر عسكري وتحديات سياسية مستمرة
يتوقع إغناتيوس أن تشهد الفترة المقبلة هدوءاً مؤقتاً في العمليات العسكرية واستئنافاً لحركة الملاحة في مضيق هرمز. ومع ذلك، يؤكد أن القوة الجوهرية للنظام الإيراني لم تتلاشَ، بل إن القيادات الجديدة تمتلك القدرة على الاستمرار رغم الضربات الموجعة التي طالت صفوف كبار المسؤولين.
ويشير المقال إلى مفارقة في الخطاب السياسي الأمريكي، حيث سارع الرئيس دونالد ترمب لإعلان النصر، وهي استراتيجية معتادة له حتى في الأزمات المعقدة. لكن الواقع الميداني يشير إلى أن "إنهاء المهمة" يتطلب ما هو أكثر من مجرد تفوق في القوة النارية.
فخ "جز العشب" والدروس التاريخية
يحذر الكاتب من وقوع الولايات المتحدة وإسرائيل في فخ حربي متكرر، مشبهاً الوضع بتجارب سابقة في:
- غزة ولبنان: حيث القوة العسكرية الساحقة لا تنهي وجود الخصم.
- أفغانستان: حيث الفشل في ترجمة النجاح العسكري إلى استقرار سياسي.
ويستخدم إغناتيوس مصطلح "جز العشب" الإسرائيلي لوصف هذه الدورة من العنف، حيث يتم إضعاف الخصم مؤقتاً دون القضاء على جذوره، مما يضمن تجدد الصراع لاحقاً.
ولادة "جمهورية إيران الإسلامية 2.0"
يرسم المقال ملامح المرحلة القادمة تحت مسمى "إيران 2.0"، وهي نسخة من النظام تعتمد بشكل أساسي على:
- تحالف استراتيجي: بين الحرس الثوري ومصالح رجال الأعمال.
- قيادة جديدة: متمثلة في مجتبي خامنئي، الذي يفتقر -حسب الكاتب- إلى الكاريزما والسلطة الدينية التي كان يتمتع بها والده، مما يجعل النظام أكثر اعتماداً على القوة الأمنية.
استراتيجية الاستنزاف الإيرانية
نقلاً عن المحلل الإيراني محمد مرندي، يوضح المقال أن طهران تراهن على حرب استنزاف طويلة، مستغلة نقاط ضعف الغرب، ومنها:
- الجدول السياسي الأمريكي: اقتراب الانتخابات النصفية وتراجع التأييد الشعبي للحرب.
- الضغوط المالية: التكاليف الباهظة لحماية حلفاء واشنطن وتأمين الملاحة.
- الإرهاب الإقليمي: خطر تصعيد الهجمات من قبل وكلاء إيران في المنطقة.
الخلاصة: التغيير يأتي من الداخل
يختتم ديفيد إغناتيوس تحليله بالتأكيد على حقيقة استراتيجية ثابتة؛ وهي أن تغيير النظام الإيراني لن يتحقق عبر الصواريخ أو التدخلات الخارجية، بل هو رهن بإرادة الشعب الإيراني وحده. وما تفعله الحرب الحالية هو مجرد إعادة صياغة لشكل الصراع، وفتح الباب أمام دورات جديدة من المواجهة في منطقة لا تزال بعيدة عن الاستقرار.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً