مقدمة: أزمة عميقة في قلب إسرائيل
تتصاعد حدة الخلافات بين الحكومة الإسرائيلية ومؤسستها العسكرية، في ظل استمرار الحرب على قطاع غزة. هذه الفجوة المتنامية، كما يرى المحللون، تعكس أزمة عميقة تتجذر في فشل حكومة بنيامين نتنياهو في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب، وعلى رأسها استعادة الأسرى و تحقيق ما يسمى "النصر المطلق". بينما يبدو أن إسرائيل تغرق أكثر فأكثر فيما يوصف بـ "مستنقع غزة".
مأزق متعدد الأوجه: استنزاف بلا أفق
يصف الخبراء العسكريون والاستراتيجيون الوضع الميداني الراهن بأنه مأزق حقيقي. لا توجد مؤشرات حاسمة على تحقيق نصر عسكري، بينما تستنزف الحرب الجيش والمجتمع والاقتصاد الإسرائيلي بوتيرة متسارعة. هذا الاستنزاف لا يهدد فقط بإخفاق في المهمة القتالية، بل بتفكك في بنية الدولة نفسها.
فشل في ترجمة الأهداف: استراتيجيات متغيرة وخسائر مستمرة
يؤكد العميد إلياس حنا، الخبير العسكري والاستراتيجي، أن الجيش الإسرائيلي فشل حتى الآن في ترجمة الأهداف السياسية والعسكرية على أرض الواقع. على الرغم من العمليات العسكرية التي يُقال إنها تُنفذ ببطء لحماية الجنود، إلا أنها لم تحقق نتائج مختلفة عما سبقها، ولا يزال الأسرى في قبضة المقاومة.
ويشير حنا إلى أن الاستراتيجية الإسرائيلية شهدت تغييرات متكررة خلال الحرب، من دخول وخروج سريع، إلى دخول والبقاء ثم التحصين. ومع ذلك، تكبدت جميع هذه الاستراتيجيات خسائر بشرية كبيرة، دون تحقيق الأهداف الكبرى. في المقابل، تنفذ المقاومة عمليات استنزاف مستمرة تعقّد الحسابات الميدانية والسياسية للاحتلال.
حالة "بينية": بين الفشل العسكري والاستحالة السياسية
يرى الدكتور مهند مصطفى، الأكاديمي والخبير بالشؤون الإسرائيلية، أن إسرائيل تعيش حالة "بينية" محاصرة بين فشل تحقيق النصر عسكريًا واستحالة إنهاء الحرب باتفاق سياسي. هذا الوضع يضع الحكومة والجيش في مأزق مستمر، وسط حديث متزايد في الصحف العبرية عن الغرق في "مستنقع غزة".
ويوضح مصطفى أن هذه الحالة البينية لا تحتمل الزمن الطويل، في ظل غياب خطة للخروج من الحرب، وانعدام القدرة على التوسع العسكري. هذا يدخل إسرائيل في نمط استنزاف مزمن يؤثر سلبًا على الأمن الداخلي، والاقتصاد، ووحدة المجتمع، ويجعل من الوقت نفسه أحد ألدّ أعداء نتنياهو سياسيًا.
فقدان السيطرة: المقاومة تفرض مسارات جديدة
يؤكد الدكتور لقاء مكي، الباحث الأول بمركز الجزيرة للدراسات، أن إسرائيل دخلت في حرب فقدت فيها القدرة على التحكم بمسارها ونهايتها. نتنياهو لم يعد قادرًا على تحقيق هدفه المعلن بتصفية حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، بل إن صمود المقاومة يفرض مسارات جديدة على الحرب، ويقوض الخطاب الرسمي الإسرائيلي.
ويشير مكي إلى أن تقديرات إسرائيلية، مثل ما تنشره صحيفة "يديعوت أحرونوت"، تؤكد أن حماس لا تزال تحتفظ بقدرة قتالية، ولا مؤشرات على تفككها، ما يعكس واقعًا مغايرًا لما تروج له الحكومة. كما ينبه إلى أن تصاعد تكلفة الحرب سياسيًا وأخلاقيًا واقتصاديًا قد يدفع واشنطن إلى التدخل لفرض وقف العمليات.
مؤشرات الإنهاك: الجيش يواجه صعوبات متزايدة
يؤكد العميد إلياس حنا أن مؤشرات الإنهاك داخل الجيش الإسرائيلي باتت واضحة، لا سيما مع الاستعانة المتزايدة بالمجندات والاحتياط، وبلوغ تكلفة الجندي الاحتياطي يوميًا نحو 45 ألف شيكل، إلى جانب الاستخدام المفرط للذخائر، بما في ذلك ذخيرة قديمة من خمسينيات القرن الماضي، ما يعكس عمق الاستنزاف.
ويلفت حنا إلى أن معيار "النصر" في العقيدة الإسرائيلية يرتبط بالحسم السريع وتقديم إنجاز سياسي، وهي عناصر غائبة تمامًا في المعركة الحالية. في ظل غياب قدرة الجيش على تقديم حسم ميداني، وتراجع الروح المعنوية للجبهة الداخلية، وتزايد تساؤلات الجنود عن الهدف من استمرار القتال.
تراجع الثقة بالحكومة: الجيش يكتسب شعبية
يذهب د. مهند مصطفى إلى أن تراجع الثقة بالحكومة مقابل ارتفاع التأييد للجيش، وتحديدًا لقائد الأركان إيال زامير، يكشف عن فجوة اجتماعية عميقة. إذ يدرك زمير أهمية "جيش الشعب" للحفاظ على شرعية المؤسسة العسكرية، ولهذا يتخذ مواقف مخالفة لنتنياهو، لا سيما في ما يخص تجنيد الحريديم.
ويشير مصطفى إلى أن زمير قرر إصدار 50 ألف استدعاء للحريديم مطلع يوليو المقبل، ليس فقط لتغطية النقص البشري، بل لتعزيز الشرعية الاجتماعية للجيش، بينما يتعامل نتنياهو مع هذا الملف بوجهة نظر سياسية، ما يعكس بداية تصدع بين المؤسستين السياسية والعسكرية.
أزمة متجذرة: تهديد للكيان الإسرائيلي
أما الباحث لقاء مكي فيعتبر أن أزمة إسرائيل متجذرة في بنية الكيان ذاته، وليست فقط أزمة عسكرية. ويقول إن الصراع الاجتماعي المتفاقم، خاصة بين المتدينين والعلمانيين، إضافة إلى تراجع صورة إسرائيل كواحة أمنية وديمقراطية لليهود، سيؤدي مستقبلًا إلى هجرة معاكسة وتفكك داخلي.
ويرى أن فقدان إسرائيل مكانتها كقوة ردع وملاذ لليهود، وتحولها إلى عبء أخلاقي على حلفائها الغربيين، يطرح تساؤلات جوهرية عن بقائها، خاصة إذا استمرت الحرب وتعمق الانقسام، ما قد يسرّع في إعادة النظر في إستراتيجياتها وتوجهاتها الإقليمية.
تحرير الرهائن: عملية مكلفة وغير قابلة للتكرار
يحذر العميد حنا من أن فشل عملية تحرير الرهائن عبر العمليات العسكرية يهدد بإطالة أمد الحرب دون جدوى. ويؤكد أن عملية النصيرات، التي تم خلالها تحرير 4 أسرى، تمت بعملية خاصة مكلفة جدًا، أسفرت عن مقتل مئات الفلسطينيين، لكنها لم تحقق نموذجًا يُبنى عليه.
ويوضح أن المقاومة أدركت خطورة هذه العملية وعدّلت قواعد الاشتباك، ما يجعل أي محاولة مستقبلية لتحرير الأسرى ميدانيًا محفوفة بإمكانية قتلهم، وهو ما يضع الجيش والحكومة في مأزق كبير، إذ لا يمكنهم إعلان الفشل ولا الاستمرار بالمخاطرة، ما يعزز طرح ضرورة الذهاب نحو صفقة شاملة.
تناقض الأهداف: الجيش يتبنى قراءة واقعية
وفقًا للدكتور مهند مصطفى، فإن التناقض بين استعادة الأسرى والقضاء على المقاومة بات واضحًا، والجيش نفسه بات أكثر واقعية في قراءته لهذا الملف، ما أفضى إلى مواقف متباينة بينه وبين الحكومة، وهو ما قد يؤدي إلى انكسار الجدار الصلب الذي حاول نتنياهو بناؤه بينهما.
ويقول مصطفى، إن العامل الحاسم في تغيير مسار الحرب لم يعد الشارع أو عائلات الأسرى، بل المؤسسة العسكرية، التي بدأت تبتعد عن الحكومة وتتحسس خطورة الاستمرار في النهج القائم، بما قد يقود إلى تغيّر جوهري في موازين القرار داخل إسرائيل.
المقاومة تدير ورقة الرهائن بذكاء
في السياق ذاته، أوضح الدكتور مكي، أن المقاومة باتت تدير ورقة الرهائن بطريقة تضرب مصداقية الرواية الإسرائيلية، كما أن استخدام هذه الورقة بوصفها أداة "وجودية" يجعل من المستحيل تحقيق نصر ميداني دون صفقة، ما يقوّض مجمل رواية الحكومة ويكرّس سردية المقاومة.
"مستنقع غزة": تهديد وجودي لإسرائيل
وفي الختام، يؤكد مصطفى، أن أصواتًا إسرائيلية من التيار السائد، مثل الصحفي بيني درور يميني، بدأت تتحدث علنًا عن "مست


اترك تعليقاً