مطر كيميائي غير مرئي: دراسة تكشف عن تراكم عالمي متسارع لـ “المواد الكيميائية الأبدية” الناجمة عن بدائل مركبات الكربون الكلورية فلورية

مطر كيميائي غير مرئي: دراسة تكشف عن تراكم عالمي متسارع لـ “المواد الكيميائية الأبدية” الناجمة عن بدائل مركبات الكربون الكلورية فلورية

مقدمة: مفارقة حماية طبقة الأوزون

لطالما اعتبر بروتوكول مونتريال (Montreal Protocol) لعام 1987 أحد أنجح الاتفاقات البيئية الدولية، حيث نجح في حظر استخدام مركبات الكربون الكلورية فلورية (CFCs) المسببة لثقب الأوزون. ومع ذلك، يكشف بحث علمي جديد أن الحلول التي استُخدمت لإنقاذ الغلاف الجوي العلوي خلقت معضلة بيئية جديدة في الأسفل. تشير الدراسة، التي قادها باحثون في علوم الغلاف الجوي بجامعة لانكستر، إلى أن البدائل المستخدمة لحماية طبقة الأوزون، بالإضافة إلى بعض الغازات المخدرة، أدت إلى انتشار كميات هائلة من “مادة كيميائية أبدية” تُعرف باسم حمض ثلاثي فلورو الأسيتيك (Trifluoroacetic acid – TFA) عبر الكوكب.

منهجية البحث: تتبع المسارات الكيميائية في الغلاف الجوي

للوصول إلى هذه النتائج المنشورة في دورية Geophysical Research Letters، اعتمد الفريق البحثي على تقنيات “نمذجة النقل الكيميائي” (Chemical Transport Modeling). وهي وسيلة علمية متطورة تُحاكي كيفية دوران المواد الكيميائية في الهواء، وتحولاتها الجزيئية، وطرق ترسبها في النهاية على سطح الأرض.

قام الباحثون بقياس كيفية تشكل مادة TFA عند تحلل غازات معينة في الهواء، وتشمل هذه الغازات مركبات الكربون الهيدروكلورية فلورية (HCFCs) ومركبات الكربون الهيدروفلورية (HFCs) المستخدمة على نطاق واسع في أنظمة التبريد، فضلاً عن المركبات المستخدمة في التخدير الاستنشاقي. وللتحقق من دقة النماذج، قارن العلماء تقديراتهم ببيانات واقعية مستمدة من عينات لبية من الجليد في القطب الشمالي وعينات مياه الأمطار التي جُمعت من مختلف أنحاء العالم.

الاكتشاف: مئات الآلاف من الأطنان تغمر الكوكب

تُشير تقديرات الدراسة إلى أنه بين عامي 2000 و2022، ترسب نحو 335,500 طن من مادة TFA من الغلاف الجوي على سطح الأرض. وتكمن خطورة هذه المادة في انتمائها إلى عائلة المواد الألكيلية المشبعة بالفلور (PFAS)، وهي مواد كيميائية من صنع الإنسان تُلقب بـ “المواد الكيميائية الأبدية” نظراً لمقاومتها الفائقة للتحلل الطبيعي وقدرتها على البقاء في البيئة لعقود طويلة.

أظهرت النتائج أن المناطق البعيدة عن مراكز الانبعاثات، مثل القطب الشمالي، ليست بمنأى عن هذا التلوث. فبدائل الـ CFCs تمتلك أعماراً طويلة في الغلاف الجوي، مما يسمح بانتقالها عبر الرياح قبل أن تتحلل وتترسب في شكل مادة TFA في أنقى البيئات القطبية، مما يثبت الانتشار العالمي لهذه الملوثات.

المخاطر البيئية والصحية: تحت مجهر التنظيم الدولي

بينما لا تزال الأبحاث مستمرة لتحديد الآثار الكاملة لمادة TFA، بدأت الهيئات الرقابية في دق ناقوس الخطر. تعتبر الوكالة الأوروبية للمواد الكيميائية (ECHA) أن مادة TFA ضارة بالحياة المائية. كما رُصدت المادة في دم الإنسان وبوله، وقترح المكتب الاتحادي الألماني للمواد الكيميائية مؤخراً تصنيفها كمادة قد تكون سامة للقدرة التناسلية البشرية.

توضح لوسي هارت، الباحثة الرئيسية في جامعة لانكستر: “تُظهر دراستنا أن بدائل مركبات الكربون الكلورية فلورية هي المصدر الغالب لمادة TFA في الغلاف الجوي. وهذا يسلط الضوء على المخاطر الأوسع التي يجب أن تأخذها التشريعات في الاعتبار عند استبدال المواد الضارة”. وتكمن المشكلة الكبرى في التراكم المستمر وغير القابل للانعكاس لهذه المادة في موارد المياه والتربة، مما قد يؤدي في المستقبل لتجاوز عتبات الأمان البيئي.

الآفاق المستقبلية: تحدي “الحدود الكوكبية” والحاجة للرقابة

رغم التخلص التدريجي من بعض الغازات الفلورية بموجب تعديل كيغالي لعام 2016، إلا أن تركيزها في الغلاف الجوي لا يزال في ارتفاع. وتشير الدراسة إلى قلق إضافي يتمثل في الجيل الجديد من وسائط التبريد المعروفة بـ (HFOs)، والتي تُسوق كبدائل صديقة للمناخ، لكنها تتحلل بسرعة أكبر منتجةً كميات متزايدة من TFA.

يخلص البروفيسور ريان حسيني، المشارك في الدراسة، إلى أن هناك حاجة ماسة لجهود دولية منسقة لمراقبة وتقييم التأثيرات البيئية لمادة TFA. إن استمرار هذا “المطر الكيميائي غير المرئي” يستدعي إعادة التفكير في كيفية تقييم سلامة المواد الكيميائية البديلة، بحيث لا نعالج ثقباً في طبقة الأوزون لنخلق في المقابل تلوثاً أبدياً يهدد النظم البيئية وصحة الأجيال القادمة.


المصدر العلمي: ScienceDaily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *