استهلال: في البدء كانت "اقرأ"
إنَّ أولَ ما نطق به الوحيُ المبارك، وأضاءت به جنباتُ الكون، هو أمرُ الحقِّ سبحانه وتعالى لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1]. ومن هذا المنطلق الإيماني الراسخ، والوعيِ الحضاريِّ العميق، انطلقت الدورةُ الخامسة والثلاثون من معرض الدوحة الدولي للكتاب 2026، لتكونَ عيداً للفكر، ومحفلاً للأدب، وميداناً يتسابق فيه أربابُ الأقلام لنشر الفضيلة والعلم النافع.
افتتاحٌ مبارك وحضورٌ رفيع
في اليوم الرابع عشر من شهر مايو لعام 2026، وتحديداً في مركز الدوحة للمعارض والمؤتمرات، تفضّل معالي الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، بافتتاح هذا المحفل الثقافي المهيب. وقد طاف معاليه، يرافقه ثلةٌ من أصحاب السعادة الوزراء والدبلوماسيين، بين أروقة المعرض، مطلعاً على نفائس المخطوطات وأحدث ما جادت به قرائحُ المؤلفين من قطر والعالم أجمع.
وقد شهد الافتتاحُ تدشينَ المشروع الكتابيِّ الرائد "هذه قطر"، الذي حلَّ ضيفَ شرفٍ على هذه النسخة، ليجسدَ شموخَ الدولة واعتزازها بهويتها الإسلامية والعربية.
أرقامٌ قياسية تعكسُ نهضةً فكرية
لقد أثبت معرض الدوحة الدولي للكتاب 2026 أنه الأضخمُ في تاريخه، حيث اجتمع تحت سقفه:
- أكثر من 520 دار نشر جاءت من شتى بقاع الأرض.
- مشاركةٌ واسعة من 37 دولة، مما يعززُ حوار الحضارات.
- توزيعٌ متقن على أكثر من 910 أجنحة عرض.
وقد أكد السيد جاسم أحمد البوعينين، مدير إدارة المكتبات بوزارة الثقافة ومدير المعرض، أن هذا الحجم القياسي يعكسُ المكانة المرموقة التي تبوأتها قطر كقبلةٍ للمثقفين وطلبة العلم.
جوائزُ الإبداع ومنصاتُ الحوار
لم يكن المعرض مجرد سوقٍ للكتب، بل كان مدرسةً فكريةً سيتم فيها الإعلان عن جوائز "معرض الدوحة الدولي للكتاب" في نسختها الثانية، والتي تشمل ست فئات تهدفُ إلى رعاية المبدعين وحفظ حقوق المؤلفين. كما يزخر "الصالون الثقافي" بجلساتٍ حوارية ومراسم توقيعِ كتبٍ تفتحُ آفاقاً جديدة للمناقشة العلمية الرصينة.
رعايةُ النشء: دوحةُ الطفل ونورُ المعرفة
انطلاقاً من المسؤولية الشرعية في تربية الأجيال، خُصصت مساحة "دوحة الطفل" لتكونَ محضناً تربوياً يجمع بين المتعة والفائدة، من خلال مسرح الطفل والألعاب التعليمية. وقد سبقت المعرض مبادرةٌ مباركة تمثلت في "حافلة الكتاب المتنقلة" التي زارت 12 مدرسة، لغرس حب القراءة في نفوس الناشئة، عملاً بمبدأ تزكية العقول.
مكتبة قطر الوطنية: تقنيةٌ في خدمة المعرفة
شاركت مكتبة قطر الوطنية بجناحٍ متميز تحت شعار "المكتبة لك"، موظفةً أحدث التقنيات الرقمية لتيسير الوصول إلى المعلومة. وقد أكد سعادة الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري، وزير الدولة ورئيس مكتبة قطر الوطنية، أن هذا الزخم الثقافي يعكس حالة الاستقرار والثقة التي تنعم بها البلاد بفضل الله عز وجل، مشيراً إلى أن المعرض أصبح محطةً حضاريةً فارقة في العالم العربي.
منتدى المؤلفين: استشرافُ المستقبل الرقمي
أعلن منتدى المؤلفين القطريين عن برنامجٍ حافل يهدف إلى التصدي للتحديات الفكرية والتحولات الرقمية المعاصرة. وأوضح السيد عبد الرحمن الدليمي، مدير إدارة الثقافة والفنون، أن الصالون الثقافي يضع في أولوياته دعم المؤلف القطري، باعتباره المحرك الأساسي للاستدامة الثقافية، ويسعى لبناء شراكاتٍ استراتيجية مع المؤسسات التعليمية والقانونية والإعلامية.
الخاتمة: دعاءٌ ورجاء
ختاماً، يبقى معرض الدوحة الدولي للكتاب 2026 شاهداً على أن أمة "اقرأ" لا تزال متمسكةً بقيمها، معتزةً بتراثها، متطلعةً لمستقبلٍ يسوده العلم والإيمان. نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بهذا المحفل البلاد والعباد، وأن يجعل ما سُطّر في هذه الكتب حجةً لنا لا علينا، وأن يوفق القائمين عليه لما يحبه ويرضاه. اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدنا علماً، والحمد لله رب العالمين.



اترك تعليقاً