مدخل: إشكالية التجزئة وضرورة النموذج الجامع
يعاني العقل المسلم المعاصر في كثير من تجلياته من حالة حادة من “التجزئة”؛ حيث ينفصل العلم عن العمل، وتنعزل الروحانية عن واقع الناس، أو يطغى فقه النص على فقه الواقع حتى يغدو المتدين غريباً عن زمانه. وفي ظل هذا التيه، تبرز سيرة الإمام عبد الله بن المبارك (118-181هـ) كمعمار هندسي فريد لما يمكن تسميته بـ “الشخصية الجامعة”، تلك التي استطاعت بعبقرية نادرة أن توحد بين محراب العابد، وحلقة المحدث، وسيف المجاهد، وحسابات التاجر، ومروءة الإنسانية.
إن دراسة سيرة هذا الإمام ليست مجرد استعادة لذكريات تاريخية، بل هي استحضار لمنهج قرآني يجسد قوله تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) [القصص: 77]. لقد كان ابن المبارك تجسيداً حياً لهذه الآية، حيث جعل من الدنيا مطية للدين، ومن العلم دليلاً للواقع.
أولاً: فقه النص.. الربانية وتأصيل المرجعية
انطلق معمار الشخصية عند ابن المبارك من أساس متين هو “فقه النص”. لم يكن مجرد ناقل للأثر، بل كان غواصاً في معاني الوحيين. برع في الحديث حتى لُقب بـ “أَمير المؤمنين في الحديث”، وهو لقب لا يناله إلا الأفذاذ الذين أفنوا أعمارهم في تمييز الخبيث من الطيب من الروايات. امتثالاً لقوله سبحانه: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: 28].
كان يرى أن العلم ليس بكثرة الرواية، بل بالخشية والعمل. سُئل يوماً: إلى متى تكتب العلم؟ فقال: “لعل الكلمة التي تنفعني لم أكتبها بعد”. هذا التواضع المعرفي هو الذي حفظ عليه توازنه، فاستطاع أن يربط النص بمرادات الشارع، مؤمناً بأن (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [البقرة: 269]. لقد كان النص عنده حياً، يحركه نحو إصلاح الذات والمجتمع.
ثانياً: عمارة الواقع.. التاجر الصدوق والمنفق الحكيم
خلافاً للصورة النمطية عن الزاهد المنقطع عن الدنيا، كان عبد الله بن المبارك ثرياً، يمارس التجارة بعقلية استثمارية فذة. لكن عبقريته تكمن في “أنسنة الثراء” وتحويله إلى أداة لعمارة الواقع. كان يقول: “لولا هؤلاء (يقصد الفقهاء والمحتاجين) ما اتجرت”. لقد أدرك بعمق حديث النبي ﷺ: “نِعْمَ المالُ الصالحُ للمرءِ الصالحِ” (رواه أحمد وصححه الألباني).
وتتجلى عمارة الواقع عنده في نقاط جوهرية:
- التكافل الاجتماعي: كان يتكفل بنفقات الحج لأصحابه، ويقضي ديون المعسرين سراً، معتبراً أن كفاية الناس باب عظيم من أبواب الجنة.
- الاستقلال المادي للعلماء: كان ينفق على طلبة العلم ليحفظ كرامتهم ويصون علمهم عن التزلف لأصحاب السلطة، محققاً استقلالية المرجعية العلمية.
- الإتقان المهني: لم يمنعه علمه من التفوق في تجارته، مما يثبت أن الشخصية الإسلامية قادرة على القيادة في كافة الميادين.
ثالثاً: عبقرية الموازنة.. بين خلوة العابد وصيحة المجاهد
لعل أعظم ما يميز ابن المبارك هو قدرته على الانتقال السلس بين الأضداد الظاهرية. ففي الوقت الذي تظن فيه أنه راهب ليلٍ يبكي من خشية الله، تجده فارس نهارٍ في الثغور يذود عن حياض الأمة. هو صاحب القصيدة الشهيرة التي أرسلها للفضيل بن عياض، والتي تعبر عن هذا التوازن:
يا عابدَ الحرمينِ لو أبصرتَنا .. لعلِمتَ أنك في العبادةِ تَلْعَبُ
من كان يَخْضِبُ خدَّه بدموعِهِ .. فنحورُنا بدمائِنا تَتَخَضَّبُ
هذه الرسالة لم تكن تقليلاً من شأن العبادة، بل دعوة لفقه الأولويات؛ حيث يتعدى نفع الجهاد وعمارة الأرض وحماية البيضة النفع القاصر للعبادات الفردية في أوقات الأزمات. لقد حقق ابن المبارك التوازن بين قول الله تعالى: (تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) [السجدة: 16]، وقوله: (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) [التوبة: 41].
رابعاً: المنظومة الأخلاقية.. هندسة السلوك في المحن
لم تكن الشخصية الجامعة عند ابن المبارك مجرد مهارات عملية، بل كانت منظومة أخلاقية متكاملة. عُرف عنه الحلم والورع الشديد. يُروى أنه سافر من مرو إلى الشام ليرد قلماً استعاره ونسي أن يرده، تجسيداً للأمانة في أدق تفاصيلها. إن هذا الورع هو الذي ضبط حركة “عمارة الواقع” لديه؛ فالثراء لم يطغِ به، والقوة في الجهاد لم تجعله فظاً، والعلم لم يورثه كبراً.
لقد كان مدرسة في “أدب الاختلاف” و”سعة الصدر”، وكان يرى أن الأخلاق هي الثمرة الحقيقية لفقه النص، مصداقاً لقول النبي ﷺ: “إنَّما بُعِثْتُ لأُتمِّمَ صالحَ الأخلاقِ” (رواه أحمد). وبذلك اجتمعت فيه خصال المروءة الفطرية مع كمالات الشريعة المنزلة.
خاتمة: كيف نستعيد الشخصية الجامعة اليوم؟
إن سيرة الإمام عبد الله بن المبارك ليست مجرد صفحة مطوية، بل هي خارطة طريق للمسلم المعاصر الذي ينشد التميز. إن معمار الشخصية الجامعة يتطلب منا:
- أولاً: تعميق الصلة بالوحي (نصاً وفهماً) ليكون هو الموجه والبوصلة.
- ثانياً: الانخراط الإيجابي في عمارة الأرض، والتميز في المهن والعلوم الدنيوية بنية القربة والتمكين للأمة.
- ثالثاً: التحرر من الانكفاء على الذات، وتقديم مصلحة الجماعة وبذل المعروف كجزء أصيل من التدين.
في ختام هذه الرحلة مع “عالم الشرق والغرب”، ندرك أن الإسلام لم يأتِ لإنشاء نماذج بشرية معزولة، بل جاء ليصنع إنساناً خليفة في الأرض، يقرأ النص بقلبه، ويعمر الواقع بيده، ويسمو بروحه إلى بارئه. رحم الله ابن المبارك، فقد كان أمة في رجل، ومنارة تهدي الحائرين في كيفية الجمع بين الدين والدنيا بوعي وجمال.

اترك تعليقاً