مقام المراقبة: معراج الإحسان وترياق القلوب في السير إلى علام الغيوب

مقام المراقبة: معراج الإحسان وترياق القلوب في السير إلى علام الغيوب

مقام المراقبة: معراج الإحسان وترياق القلوب في السير إلى علام الغيوب

إنَّ مدارَ استقامة العبد وصلاحِ حاله موقوفٌ على صلاح مَضغته، فإذا زكا القلبُ بالعلم والمعرفة، أورقَتِ الجوارحُ بالطاعة والإخبات. ومن أسمى الركائز الإيمانية التي تشيدُ صرحَ العبودية، وتورث النفسَ طمأنينة اليقين، هو مقام المراقبة؛ ذلك المقام الذي يُعدُّ مِشكاةَ الإحسان، وعمودَ أعمال القلوب، وبه يترقى العبدُ من غيابات الغفلة إلى أنوار الحضور مع الله سبحانه وتعالى في كل لَمحةٍ ونَفَس.

أولاً: حقيقة المراقبة في اللغة والاصطلاح

تضربُ المراقبةُ بجذورها في لغة العرب في مادة (ر ق ب)، وهي مادةٌ تدلُّ على الانتصاب والمراعاة والحفظ. فالرقيبُ هو الحافظ، والمَرقبةُ هي الموضعُ العالي المشرف الذي يرصد منه الناظرُ ما حوله. وفي هذا المعنى يقولُ الإمام ابن القيم رحمه الله في "نونية ابن القيم" (3298):

وَهُوَ الرَّقِيبُ عَلَى الخَوَاطِرِ وَاللوَاحِظِ كَيْفَ بِالْأَفْعَالِ بِالْأَرْكَانِ؟

أما في ميزان الشرع، فقد جلا حقيقتها ابن القيم بقوله: «دوامُ علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه؛ فاستدامة هذا العلم واليقين هي المراقبة». فهي الثمرةُ اليانعةُ لليقين بأن الله سبحانه وتعالى رقيبٌ على العبد، ناظرٌ إليه، سامعٌ لقوله، مطلعٌ على خلجات صدره في كل طرفة عين.

ويمكن إجمالُ هذا المقام بأنه: «التعبد بأسماء الله: الرقيب، الحفيظ، العليم، السميع، البصير؛ فمن عقل هذه الأسماء، وتعبد بمقتضاها، حصلت له المراقبة». [مدارج السالكين (2/65-66)].

ثانياً: منزلة المراقبة في مِشكاة النبوة

تتجلى عظمةُ هذا المقام في حديث جبريل عليه السلام حين سأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن الإحسان، فقال عليه الصلاة والسلام: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». [أخرجه البخاري ومسلم].

وهذا الحديثُ من جوامع الكلم؛ إذ لو استشعر العبدُ معاينةَ ربه سبحانه وتعالى في عبادته، لبلغ الغايةَ في الخشوع والاعتناء بتتميمها. وقد فسر الإمام النووي رحمه الله هذا المعنى بقوله: «اعبد الله في جميع أحوالك، كعبادتك في حال العيان». فالمقصودُ هو حثُّ العبد على الإخلاص التام واستحضار عظمة المطلع سبحانه وتعالى.

أركان مقام المراقبة

  • المعرفة: العلمُ بأسماء الله وصفاته وإحاطته.
  • الخشية: هيبةُ الجلال التي تمنع من المخالفة.
  • الاستدامة: دوامُ هذا الاستحضار في الخلوة والجلوة.

ثالثاً: المراقبةُ أساسُ السيرِ وعمودُ اليقين

إنَّ المراقبة ليست مجردَ حالٍ عارض، بل هي «أساس الأعمال القلبية كلها، وعمودها الذي قيامها به». وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله في "إعلام الموقعين" (6/112): «لقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم أصول أعمال القلب وفروعها كلها في كلمة واحدة، وهي قوله في الإحسان: (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ)؛ فتأمل كلَّ مقام من مقامات الدين، وكلَّ عمل من أعمال القلوب، كيف تجد هذا أصله ومنبعه».

وحين يعجز العبدُ عن مقام «كأنك تراه»، ينتقلُ إلى المرتبة الثانية وهي استحضار رؤية الله له: «فإنه يراك». وهذا المشهدُ يوجبُ الحياء والإجلال، ويقطعُ وسواس النفس، ويجمعُ الهمَّ على الله سبحانه وتعالى.

رابعاً: الأدلةُ من الوحيين على مقام المراقبة

تضافرت نصوصُ الكتاب والسنة على غرس هذا المقام في نفوس المؤمنين:

من محكم التنزيل:

  • قوله تعالى عقب ترغيبه في النفقة: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 265].
  • قوله سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: 52].
  • قوله عز وجل: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: 14].

من السنة المطهرة:

  • عن معاذ رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، أوصني؟ قال: «اعبد الله كأنك تراه، وعدَّ نفسك في الموتى…». [أخرجه الطبراني].
  • في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله، نجدُ أنَّ قاسمهم المشترك هو المراقبة؛ كالشاب الذي دعته امرأةٌ ذات منصب وجمال فقال: «إني أخاف الله»، والرجل الذي تصدق بصدقة «فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه».
  • حديثُ تعاقب الملائكة: «يتعاقبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكةٌ بالنهار… فيسألهم ربهم – وهو أعلم بهم -: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون». [البخاري ومسلم].

خامساً: مراتبُ المراقبة وبواعثُها

قسم أهلُ العلم المراقبةَ بحسب الحامل عليها إلى ثلاث مراتب:

  1. مراقبةُ الخائفين: ويغلبُ عليها الحذرُ والفزعُ من الوعيد.
  2. مراقبةُ المستحيين: ويحملُ عليها الانكسارُ والإخباتُ إجلالاً لله.
  3. مراقبةُ المحبين: وهي أرقى المراتب، حيثُ يراقبُ العبدُ ربه بسرورٍ ونشاط، ويجدُ لذةً في الطاعة لا تدانيها لذة، حتى قال بعض العارفين: «إنه لتمر بي أوقات أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب».

سادساً: آثارُ المراقبة في صلاح السيرة والسريرة

  • حفظُ الجوارح: لا سيما اللسان، إذ يزنُ العبدُ كلامه قبل النطق به: أيرضي الله أم يسخطه؟
  • تزكيةُ الخلوات: فمن راقب الله في سره، ألبسه الله ثوبَ الوقار في علانيته. يقول ابن الجوزي رحمه الله: «من راقب الله في خلوته، فاحتشم منه، ظهرت عليه آثار الطاعة، وأحبه الناس من غير سبب ظاهر».
  • الإخلاصُ في العمل: المراقبةُ تحمي العبدَ من الالتفات إلى الخلق، فالمشتغلُ بالخلق يورثه ذلك الغفلة، أما المستحضرُ لنظر الخالق فيستقيمُ قصده وتزكو أعماله.
  • سلامةُ القلب: بصيانته عن الخواطر والإرادات التي تعارض أمر الله وخبره.

الخاتمة

إنَّ مقام المراقبة هو ترياقُ القلوب من أدواء الغفلة، وهو البابُ الأعظمُ لنيل محبة الله سبحانه وتعالى ومعيته الخاصة. فمتى استقرت المراقبةُ في سويداء القلب، فاضت على الجوارح سكينةً واستقامة، وغدا العبدُ يسيرُ إلى ربه على بصيرة، مستحيياً من نظره، معظماً لجلاله. فاللهم ارزقنا خشيتك في الغيب والشهادة، واجعلنا ممن يعبدك كأنه يراك، وحققنا بمراتب الإحسان يا رب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *