مملكة العافية: التاج الخفي وجوهر النعيم في الدارين

الحمد لله الذي جلت نعمه عن الإحصاء، وعظمت مننه على أهل الأرض والسماء، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، الذي أرشدنا إلى سبل الفلاح، وهدانا إلى جوامع الكلم، وعلى آله وصحبه الذين اقتفوا أثره ففازوا بالرضوان، أما بعد:

فإنَّ المتأمل في نعم الله سبحانه وتعالى يجد أنَّ أجلَّها قدراً، وأعظمها أثراً، هي “العافية”؛ تلك المنحة الربانية التي وصفها العارفون بأنها “كنز عظيم” لا يدرك قيمته إلا من فَقده، ولا يعرف قدره إلا من ذاق مرارة البلاء. إن العافية ليست مجرد سلامة البدن، بل هي منظومة متكاملة من الوقاية والحماية تشمل الدين والدنيا والآخرة. وقد جعل الله سبحانه الدعاء هو المفتاح الوحيد لاستجلاب هذا الكنز، ولذلك تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم حرصه الشديد على سؤال الله العافية، حتى ثبت ذلك عنه في أكثر من خمسين طريقاً، ما بين قولٍ أرشد إليه، أو تعليمٍ لقنه لأصحابه، بلفظها ومعناها، مما يؤكد أنها المطلب الأسمى لكل مؤمن لبيب.

حقيقة العافية ودلالاتها العميقة

تعد كلمة “العافية” من الكلمات الجامعة الكافية، والشافية الوافية؛ فهي تختصر في حروفها اليسيرة كل معاني السلامة من الشرور والمكاره. إن من استنار قلبه وعلم قيمة هذا الكنز، لم يفتأ يواظب على الدعاء بطلبها؛ ليفوز بخيري الدنيا والآخرة. فمن حاز كنز العافية، فقد ظفر بأنفس الأرزاق قاطبة؛ ذلك أن العافية هي “مفتاح النعيم” الذي بدونه لا يلتذ المرء بشيء، وهي “باب الطيبات” الذي يُفتح منه كل خير، وهي “كنز السعداء” الحقيقي.

إن الخير مهما كثر وعظم، فإنه يبقى قليلاً ونقصاً إذا فُقدت العافية، والعز مهما شرف وبذخ، فإنه يظل حقيراً ذليلاً في غيابها. فالعافية هي التي تمنح النعم طعمها، وتجعل للحياة معناها، وبدونها يصبح الغنى عبئاً، والجاه هماً، والقوة عجزاً.

الفوارق الدقيقة بين العفو والعافية والمعافاة

لقد فصل العلماء في دلالات العافية لبيان شموليتها، فهي تعني الصحة التامة في الأبدان، والبُرء من كل الأسقام والبلايا والفتن. وعندما نقول: “عافاه الله وأعفاه”، فإننا نسأل الله أن يهب العبد السلامة المطلقة من كل علة جسدية أو بلية قدرية. أما “المعافاة”، فهي رتبة اجتماعية ونفسية سامية؛ وتعني أن يعافيك الله من أذى الناس، ويعافيهم من أذاك، بحيث يغنيك الله بفضله عنهم، ويغنيهم عنك، ويصرف عنك شرورهم، ويصرف عنهم كل سوء قد يصدر منك.

وقد وضع الإمام ابن القيم رحمه الله لمسة بيانية مذهلة في التفريق بين هذه المصطلحات الثلاثة، حيث أوضح أن:

  • العفو: يتضمن إزالة الشرور الماضية ومحو أثرها.
  • العافية: تتضمن إزالة الشرور الحاضرة وتأمين الوقت الراهن.
  • المعافاة: تتضمن دفع الشرور المستقبلة، فهي تقتضي المداومة والاستمرار على حال السلامة والوقاية.
  • العافية المطلقة: وقاية الدين قبل البدن

    إن المفهوم الأسمى للعافية هو “العافية المطلقة”، وهي التي لا تقتصر على سلامة الجوارح، بل تمتد لتشمل حماية الروح والقلب. فالعافية الحقيقية هي النجاة من دنس الكفر، وضلال البدع، وقذارة الفسوق والعصيان، ومرض الغفلة. هي أن يعافيك الله من الوقوع في الفتن، أو فعل ما يسخطه، أو ترك ما يحبه.

    ومن هذا المنطلق، كانت العافية المطلقة هي أجل النعم على الإطلاق؛ لأنها كافية في تحصيل كافة المقاصد الشريفة، ووافية في دفع جميع البلايا المخوفة. فالدعاء بالعافية هو دعاء وقائي شامل، يستهدف حماية الإنسان من كل سوء قد يعترض طريقه في رحلته الدنيوية أو في مآله الأخروي.

    جوامع الكلم في استعاذات العافية

    لقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف نحمي منافذ الشر في أنفسنا من خلال طلب العافية، كما في حديث شكل بن حميد رضي الله عنه حين سأل النبي دعاءً ينتفع به، فقال له: «قل اللهم: عافني من شر سمعي، وبصري، ولساني، وقلبي، ومن شر منيي».

    إن هذا الدعاء يمثل خارطة طريق لحفظ الجوارح؛ فالعافية من شر السمع والبصر واللسان تعني حمايتها من الوقوع في الحرام، والعافية من شر القلب تعني سلامته من الحقد والغل والشكوك. أما قوله “ومن شر منيي”، فقد فسرها الإمام وكيع رحمه الله بالوقاية من الزنا والفجور، وهي عافية أخلاقية تحفظ كرامة الإنسان وطهارة المجتمع.

    الستر والمكانة الخفية للعافية

    من ألطف معاني العافية أنها تشمل “ستر الله” على العبد؛ فالستر هو الغطاء الذي يحجب المعاصي والنقائص عن أعين الخلق، ولذلك قال سفيان الثوري رحمه الله: «الستر من العافية». فكم من إنسان يعيش في عافية لأن الله ستر قبائحه، وأظهر جميله.

    ولقد عبر العرب قديماً عن هذه النعمة بأوصاف بليغة، فقال أكثم بن صيفي: «العافية: الملك الخفي»، فهي ملك لا يرى الناس تاجه، لكن صاحبه يتربع على عرش الراحة. ولما سُئل الإمام أحمد بن حنبل عن قدر الإمام الشافعي، لم يجد وصفاً أبلغ من أن يشبهه بالعافية، قائلاً لابنه عبد الله: «يا بني! كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من عوض، أو خلف؟». فالعافية كالشمس، لا يدرك الناس فضلها إلا إذا غابت وأظلمت الدنيا بالمرض والضيق.

    عافية الدين: العصمة الحقيقية

    إن عافية الدين تتربع على قمة هرم الأولويات، فكل مصيبة دون الدين هي عافية. كان من دؤوب النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري»، وكان يستعيذ دائماً: «ولا تجعل مصيبتنا في ديننا». فإذا سَلِمَ دين المرء، فكل ما فاته من الدنيا يسير، وفي هذا المعنى يقول الشاعر:
    لاَ تَأْسَ مِْن دُنْيَا عَلَى فَائِـــتٍ *** وَعِنْدَكَ الإِسْلاَمُ والعَافِيَهْ
    إِنْ فَاتَ شَيْءٌ كُنْتَ تَسْعَى لَهُ *** فَفِيهِمَا مِنْ فَائِتٍ كَافِيَـهْ

    فالعوض عن كل شيء مفقود موجود في الله، ولكن لا عوض عن الله وعن دينه إذا ضاعا، كما قيل:
    مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إذا ضَيَّعْتَهُ عِوَضٌ *** وَمَا مِنَ اللهِ إِنْ ضَيَّعْتَ مِنْ عِوَضِ

    العافية بعد اليقين: التلازم الضروري

    لقد قرن النبي صلى الله عليه وسلم بين اليقين والعافية في قوله: «سلوا الله العفو والعافية؛ فإن أحداً لم يُعطَ بعد اليقين خيراً من العافية». وهذا الاقتران يحمل دلالة عميقة؛ فالعبد لا يستقيم حاله في الدارين إلا بهذين الركنين. وقد أوضح ابن القيم أن اليقين يدفع عقوبات الآخرة ويؤمن القلب من الشبهات، بينما العافية تدفع أمراض الدنيا وشرورها عن القلب والبدن. فاليقين هو صحة الروح، والعافية هي صحة الظاهر، وبجتماعهما يكمل الفلاح.

    العافية في أزمنة الفضل ووصايا النبي لعمه

    عندما سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم عما تدعو به في ليلة القدر -وهي ليلة تفضل ألف شهر- لم يوجهها إلا لطلب العفو، وهو جوهر العافية. وكانت رضي الله عنها تقول: «لو علمتُ أي ليلة ليلة القدر؛ لكان أكثر دعائي فيها: أن أسأل الله العفو والعافية». وهذا الاختيار في أسمى الأوقات يدل على أن العافية هي غاية المطالب.

    وكذلك نجد النبي صلى الله عليه وسلم يخص عمه العباس رضي الله عنه -الذي كان يحبه وينزله منزلة والده- بنصيحة مكررة: «يا عباس! يا عم رسول الله! سل الله العافية في الدنيا والآخرة»، وزاد في رواية أخرى تأكيداً وحثاً: «يا عم! أكثر الدعاء بالعافية». إن تخصيص العباس بهذا الدعاء دليل على أنه أجمع الخيرات، وأنه الوسيلة العظمى لاستدفاع كل ما يهم الإنسان ويحزنه.

    العافية في أوراد الصباح والمساء: حماية شاملة

    لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه دون حصن يومي، فكان يحافظ على دعوات العافية كل صباح ومساء، طالباً العافية في:

  • الدين: بالوقاية من الشرك، والبدع، والتقصير في الطاعات.
  • الدنيا: بالسلامة من المصائب، والديون، ونوائب الدهر.
  • الأهل: بحمايتهم من الفتن والفتون، والأمراض والشرور.
  • المال: بحفظه من الآفات المتلفة كالسرق، والحرق، والغرق.

هذا التفصيل في الدعاء، كما في حديث ابن عمر وأبي بكرة رضي الله عنهم، يعلمنا أن العافية ليست كلمة مجردة، بل هي سياج يحيط بكل مقدرات الإنسان وحياته الشخصية والمالية.

حتى للموتى: طلب العافية لا ينقطع

إن حاجة العبد للعافية لا تنتهي بانتهاء أنفاسه في الدنيا، بل هو أحوج ما يكون إليها في برزخه وآخرته. لذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا المقابر أن يقولوا: «أسأل الله لنا ولكم العافية». فالموتى في قبورهم يحتاجون عافية الله من عذاب القبر، ومن ضيق اللحد، ومن هول المطلع، وصولاً إلى العافية من نار جهنم.

خاتمة

إن العافية هي الكنز الذي لا ينفد، والتاج الذي لا يراه إلا المرضى والمبتلون. فليتدبر العاقل مقدار هذه الكلمة التي اختارها النبي صلى الله عليه وسلم لأحب الناس إليه، وليعلم أن من أُعطي العافية فقد فاز بكل محبوب، ووُقي من كل مرهوب، ديناً ودنيا، قلباً وقالباً. فإذا كان المعصوم صلى الله عليه وسلم -الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- يلهج بطلب العافية، فكيف بنا ونحن عرضة لسهام النفس والشيطان والهوى؟

اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، ونعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *