من حليف استراتيجي إلى خصم لدود: كيف تشكلت ملامح العداء؟
تُعد العلاقات الأمريكية الإيرانية اليوم واحدة من أكثر الملفات تعقيداً في السياسة الدولية، حيث يهيمن عليها خطاب التصعيد والتهديدات المتبادلة. ومع ذلك، يغيب عن الكثيرين أن هذه العلاقة لم تبدأ بهذا الشكل؛ فقد كانت طهران يوماً ما الحليف الأقرب لواشنطن في منطقة الشرق الأوسط، قبل أن تتحول إلى الخصم اللدود الذي يسعى الغرب لتحجيم نفوذه.
زلزال 1953: الانقلاب الذي غير مجرى التاريخ
بدأ التحول الجذري في مسار العلاقات مع اكتشاف النفط وبروز النزعات الوطنية في إيران. في أوائل الخمسينيات، قاد رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدّق حركة لتأميم النفط الإيراني، وهو ما أثار غضب بريطانيا والولايات المتحدة. في عام 1953، دعمت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) انقلاباً عسكرياً أطاح بمصدّق وأعاد تثبيت الشاه محمد رضا بهلوي في السلطة بصلاحيات مطلقة.
هذا التدخل السافر ترك جرحاً غائراً في الذاكرة الجمعية الإيرانية، حيث نُظر إلى الولايات المتحدة منذ ذلك الحين كقوة استعمارية تسعى للتحكم في مقدرات الشعوب، مما مهد الطريق لاحقاً لانفجار الغضب الشعبي.
ثورة 1979 وأزمة الرهائن: نقطة اللاعودة
شكلت الثورة الإسلامية عام 1979 الزلزال الذي دمر جسور الثقة تماماً. ومع سقوط الشاه ووصول آية الله الخميني إلى السلطة، رفعت الثورة شعار “الموت لأمريكا”، واصفة إياها بـ “الشيطان الأكبر”. وتفاقمت الأزمة باقتحام السفارة الأمريكية في طهران واحتجاز 52 دبلوماسياً كرهائن لمدة 444 يوماً.
أدت هذه الحادثة إلى قطيعة دبلوماسية كاملة وفرض أولى حزم العقوبات الأمريكية، تلتها سنوات من المواجهة غير المباشرة خلال الحرب العراقية الإيرانية، حيث دعمت واشنطن بغداد للحد من تمدد الثورة الإيرانية في المنطقة.
الملف النووي الإيراني: مواجهة القرن الحادي والعشرين
مع بداية الألفية الجديدة، دخلت العلاقات الأمريكية الإيرانية نفقاً مظلماً جديداً مع الكشف عن البرنامج النووي الإيراني. اتهمت واشنطن طهران بالسعي لامتلاك أسلحة نووية، بينما أكدت الأخيرة على سلمية برنامجها. ورغم النجاح الدبلوماسي المتمثل في توقيع الاتفاق النووي عام 2015 في عهد الرئيس أوباما، إلا أن الانفراجة لم تدم طويلاً.
حقبة دونالد ترامب وسياسة “الضغط الأقصى”
شهدت العلاقات تدهوراً غير مسبوق مع وصول الرئيس السابق دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، حيث قرر الانسحاب من الاتفاق النووي في عام 2018 وإعادة فرض عقوبات اقتصادية خانقة وصفت بأنها الأقسى في التاريخ. تبنى ترامب استراتيجية “الضغط الأقصى” بهدف إجبار طهران على العودة لطاولة المفاوضات بشروط جديدة، وهو ما أدى إلى تصعيد عسكري في الخليج واغتيالات متبادلة، أبرزها اغتيال الجنرال قاسم سليماني.
الواقع الحالي: احتجاجات داخلية وأفق مسدود
اليوم، تجد إيران نفسها محاصرة بين فكي كماشة؛ عقوبات اقتصادية أدت إلى انهيار العملة وتدهور المعيشة، واحتجاجات داخلية واسعة تعكس استياءً شعبياً متزايداً. في المقابل، تواصل واشنطن مراقبة التحركات الإيرانية الإقليمية ودعمها للجماعات المسلحة، مما يجعل العودة إلى مسار الدبلوماسية أمراً بالغ الصعوبة في ظل تراكم عقود من 불신 والعداء التاريخي.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً