عندما أذن الله لشمس الرسالة المحمدية أن تشرق على الوجود، لم يكن ذلك مجرد حدث تاريخي عابر، بل كان إغاثة إلهية كبرى انتشلت البشرية من تيهها المطبق. لقد جاءت هذه الرسالة لتكون “الروح” التي تسري في جسد الأمة، فبثّت فيها حياة بعد موت، ونوراً بعد ظلام دامس. وكما بيّن القرآن الكريم في سورة الزخرف، فإن هذا الوحي هو الروح التي أحيت القلوب، وبدونها تظل الأجساد هامدة والأمم ضائعة. إن مِنة الله على المؤمنين ببعثة النبي ﷺ، كما ورد في سورة آل عمران، لم تقتصر على مجرد نقل نصوص، بل كانت عملية صياغة شاملة للإنسان؛ يتلو عليهم الآيات لتستقيم عقولهم، ويزكيهم لتطهر نفوسهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة ليقودوا العالم بمنطق الوحي لا بمنطق الهوى.
إعادة صياغة الفرد: من العدمية إلى الوجود الرباني
إن أولى ثمرات هذه الروح الجديدة تجلت في “الفرد”، حيث أعادت الشريعة بناء كينونته من الصفر. لم يعد الإنسان كائناً تائهاً في ملكوت الله، بل عرف ربه بصفاته العلا وأسمائه الحسنى؛ عرف “الله الأحد الصمد”، الذي تنزه عن الصاحبة والولد، وعزّ عن الشبيه والنظير. هذه المعرفة العقدية العميقة لم تكن ترفاً فكرياً، بل كانت خارطة طريق حددت للإنسان غايته في الدنيا، ومصيره في الآخرة، فصار يتحرك ببوصلة الوحي، مدركاً ما ينتظره من جزاء إن آمن، وما يحيق به من وعيد إن كفر.
هذا التحول المعرفي في ذات الفرد انعكس مباشرة على سلوكه العملي، فظهرت آثار التزكية في أدق تفاصيل حياته:
- الأخلاق المرجعية: لم يعد الصدق والوفاء بالعهد وإكرام الجار مجرد عادات اجتماعية، بل أصبحت عبادات يتقرب بها إلى الله، فصار يصدق في حديثه، ويصل رحمه، ويتقي المحارم إيماناً واحتساباً.
- إعمال العقل والتدبر: حررت الشريعة عقل المسلم، فدفعته نحو التأمل والتعقل والتدبر في كل ما يرد عليه من مدخلات، فلا يقبل الأمور على علاتها، بل يزنها بميزان الشرع والعقل.
- مقام المراقبة: أصبح المسلم كائناً “مسكوناً بمراقبة الله”، يسير في الأرض وهو يعلم أن عين الله تكلؤه، فصار إتقان العمل عنده فطرة، وابتغاء مرضاة الله غاية.
- العبادة الساعية: كما وصفتهم سورة الفتح، تراهم ركعاً سجداً، لكن سجودهم لا يعزلهم عن واقعهم، بل يخرجون من صلاتهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً في شؤون معاشهم، موصولين بالله، مستنيرين برأي أهل العلم فيما أشكل عليهم.
- استثمار أقوات الأرض المباركة وتوزيع الكثافة السكانية.
- حماية الناس من تغول الظالمين؛ إذ إن تفرق الناس وتمكنهم من أرزاقهم يقلل من قدرة السلطة المركزية على استعبادهم أو محاصرتهم، وهو ما نفتقده اليوم في نمط “المدن الكبرى” الخانقة.
- أعادوا صياغة الأحكام الشرعية لتتناسب مع المنظومة الغربية.
- قدموا قراءة مبتسرة للسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي.
- استخدموا أدواتهم الثقافية والاقتصادية لتغيير واقع المسلمين وتجزئة أمتهم إلى كيانات صغيرة ضعيفة.
- بدأت بجهود جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، ثم رشيد رضا.
- تطورت إلى كيانات منظمة مع حسن البنا، وخُطاب السبكي، وحامد الفقي.
- ثم انتقلت إلى صبغات أكثر راديكالية مع سيد قطب، وصولاً إلى نماذج الصدام المسلح كعبد الله عزام ثم “داعش” وأخواتها.
فلسفة التمكين: الإنسان مالكاً للأرض لا مملوكاً للسلطة
لقد أسست الشريعة الإسلامية لمنظومة فريدة في تمكين الأفراد من الأرض ومواردها، وهي منظومة تسبق وتتجاوز كل النظريات الحديثة. نادت الشريعة في الناس بقواعد اقتصادية واجتماعية تحررهم من التبعية المطلقة للسلطة:
1. الملكية بالمبادرة: “من أحيا أرضاً ميتة فهي له”، قاعدة جعلت من العمل والإنتاج وسيلة التملك الأولى، وحفزت الناس على عمارة الأرض.
2. الأولوية للسابق: “من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له”، مما أشعل فتيل التنافس الشريف في استخراج خيرات الأرض.
3. المشاعية في الأساسيات: جعلت الناس شركاء في الماء والكلأ والنار، لضمان عدم احتكار الضرورات المعيشية.
ولم تقف الشريعة عند حدود التملك، بل حثت على الحركة والانتشار؛ فجاءت الأوامر القرآنية في سور الملك والجمعة والحج تحث على المشي في مناكب الأرض، والانتشار فيها، والسير في أرجائها لابتغاء فضل الله. ولم تكن هذه الحركة عشوائية، بل أحاطتها الشريعة بضمانات أمنية واجتماعية، كإيجاب إكرام ابن السبيل وتخصيص سهم له من الزكاة والمال العام، بهدف تأمين طرق التدفق البشري والسلعي. هذا الانتشار العمراني كان يهدف لتحقيق غايتين:
مفهوم الدولة في الإسلام: خادمة للشريعة لا حاكمة للناس
في هذا النمط الإسلامي الفريد، برز مفهوم مغاير تماماً للسلطة. لقد مكنت الشريعة الناس من حقوقهم، وفي المقابل قلصت صلاحيات “ولاة الأمر” إلى أدنى مستوياتها التاريخية. كانت الدولة في المنظور الإسلامي “دولة الناس”، والسلطة فيها وظيفة “للحكم بين الناس” بالعدل، لا “لحكم الناس” بالهوى والاستبداد.
لقد كان الخليفة، برغم عظمة دولته، تحت سقف الشريعة مثله مثل أي فرد من عامة المسلمين، ولم يكن يملك من الصلاحيات المطلقة ما يملكه أصغر دكتاتور في عصرنا الحديث. هذا النموذج سمح للمجتمع بأن ينمو بشكل طبيعي، فبرزت التخصصات العلمية الشرعية أولاً لتضبط حركة المجتمع، ثم تبعتها التخصصات الطبيعية كحاجة عملية لا كترف فكري، فكان التصنيع والابتكار وليد الحاجة ووسيلة لتعبيد الناس لله وعمارة كونه.
الانكسار التاريخي واستلاب الوعي
لكن دوام الحال من المحال، فقد دخل المسلمون مرحلة من الضعف والوهن، تزامنت مع انطلاق الثورة الصناعية في الغرب. هذا الضعف لم يكن مادياً فحسب، بل تبعه استعمار عسكري برر وجوده بدعوى “التمدين” و”التعمير”، بينما كان في حقيقته نهباً منظماً للثروات واستنزافاً للطاقات.
الأخطر من النهب المادي كان “النهب الفكري”؛ حيث قدم الغرب عبر أدواته (المستشرقين ثم تلامذتهم من أبناء جلدتنا) رؤية جديدة ومشوهة للإسلام:
في ظل هذا الهوان، انحرف السؤال الجوهري لدى المثقفين، فبدلاً من البحث عن كيفية العودة لـ”الروح” الأصلية، انحصرت تساؤلاتهم في: “لماذا تخلفنا عن الغرب؟” و”كيف نلحق بركب تقدمهم التقني؟”. وأصبح مفهوم التقدم عند الكثيرين رهيناً بالمادة، بل رأى بعضهم أن التخلي عن الدين في الحيز العام هو الثمن الضروري لهذا اللحاق.
عهد الجماعات: محاولات الإحياء ومأزق الأداة
أمام هذا الواقع المرير وسقوط الخلافة، ثار الدم في عروق الشباب المسلم، فاندفعوا نحو التغيير. ونظراً لغياب القيادة العلمية الربانية المتصدرة للمشهد التجديدي، برزت “الجماعة” (المنظمة وشبه المنظمة) كأداة وحيدة ومتاحة للتغيير.
ظن هؤلاء الشباب أن “الجماعة” هي مجرد أداة محايدة يمكن استخدامها لتحقيق أهداف إسلامية، وغاب عنهم أن الأدوات غالباً ما تحمل عقل صانعها وسياق إنتاجها. وهكذا، بدأت سلسلة من التجارب التي حاولت استعادة مجد الأمة عبر صيغ حركية وجماهيرية:
وعلى مدار عقود طويلة، تعاقبت هذه الأجيال وهي تحاول إحياء الأمة من خلال صيغة “الجماعة”، ولكن النتيجة الموضوعية تشير إلى تعثر هذا المسار؛ فلم تفلح أي جماعة في تحقيق تمكين حقيقي للشريعة في واقع الناس، ولم تستطع رد المحتل أو دحر التبعية. لقد تحركت هذه الجماعات في مساحات ضيقة، واصطدمت بجدار “الدولة الحديثة” بصلاحياتها المطلقة وأدواتها القمعية، وعجزت عن حسم الصراع مع الخصوم في الداخل أو الخارج.
الخاتمة: السؤال الأهم والمصير المعلق
إننا اليوم نقف أمام لحظة مكاشفة ضرورية، تتطلب منا شجاعة في طرح الأسئلة الوجودية التي تتجاوز العاطفة الحماسية. إن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة على العقل المسلم المعاصر هو: لماذا أخفقت الجماعات – برغم تضحيات أفرادها وإخلاص الكثير منهم – في حسم الصراع وتحقيق التمكين المنشود؟
وهل كانت “الجماعة” بتركيبتها الحالية هي الصيغة الشرعية والتاريخية الأمثل لاستعادة صياغة الحياة وفق مراد الله؟ أم أننا بحاجة إلى البحث عن وسيلة أخرى، وصيغة جديدة تعيد الوصل بتلك “الروح” التي دبت في العرب أول مرة، لتعيد بناء الإنسان والمجتمع بعيداً عن ضيق التنظيمات وتحت سعة الشريعة وربانية العلماء؟ إن الإجابة على هذا السؤال هي ما سيحدد ملامح المستقبل للأمة الإسلامية في صراعها من أجل البقاء والشهود الحضاري.

اترك تعليقاً