من ديمونة إلى فتاح.. كيف أصبحت الصواريخ الإيرانية كابوساً تقنياً يخترق الدفاعات؟

من ديمونة إلى فتاح.. كيف أصبحت الصواريخ الإيرانية كابوساً تقنياً يخترق الدفاعات؟

ثورة الدقة: كيف أعادت الصواريخ الإيرانية رسم خريطة التهديدات الجوية؟

في ليلة كسر فيها أزيز الانفجارات صمت صحراء النقب، لم تكن الصواريخ التي سقطت قرب مفاعل ديمونة وفي شوارع عراد مجرد مقذوفات عادية، بل كانت إعلاناً عن حقبة جديدة من المواجهة. هذا التصعيد كشف النقاب عن تطور نوعي في الصواريخ الإيرانية، التي انتقلت من مرحلة الترهيب العشوائي إلى مرحلة الإصابة النقطية الدقيقة.

العقل الإلكتروني: ما الذي يجعل الصاروخ "ذكياً"؟

تكمن الإجابة في كلمة واحدة: التوجيه. لم تعد الصواريخ الحديثة تكتفي بالتحليق في مسار قوسي (باليستي) ثابت، بل باتت تمتلك ما يشبه "العقول الإلكترونية". تتكون هذه الأنظمة من:

  • أجهزة استشعار متطورة: لقياس السرعة والاتجاه.
  • حواسيب معالجة: لتقارن المسار اللحظي بالمسار المطلوب.
  • أسطح تحكم (زعانف): لتعديل المسار أثناء الطيران بدقة متناهية.

من "سكود" إلى الدقة المتناهية: رحلة التطوير

خلال حرب الثمانينيات، كانت إيران تعتمد على صواريخ "سكود" السوفيتية ذات الدقة المنخفضة، حيث كان معدل الخطأ الدائري (CEP) يصل إلى كيلومتر كامل. لكن نقطة التحول بدأت في التسعينيات عبر:

  1. الدعم التقني الخارجي: الحصول على مكونات إلكترونية وجيروسكوبات من الصين وكوريا الشمالية.
  2. تطوير نظام الملاحة بالقصور الذاتي (INS): وهو نظام مستقل يسمح للصاروخ بمعرفة موقعه دون الحاجة لأقمار صناعية، مما يجعله محصناً ضد التشويش الإلكتروني.
  3. دمج الأنظمة المركبة: دمج الـ INS مع نظام الـ GPS لتصحيح الأخطاء التراكمية أثناء التحليق.

جيل الصواريخ النقطية: عماد وفتاح

تمثل صواريخ مثل "عماد" و"فاتح 313" قفزة هائلة؛ حيث زودت برؤوس حربية قابلة للمناورة (MaRV). هذه الرؤوس تمتلك زعانف صغيرة تسمح لها بتغيير اتجاهها في مرحلة السقوط، مما يرفع الدقة إلى بضعة أمتار فقط.

أما الإنجاز الأبرز فهو الصاروخ الفرط صوتي "فتاح"، الذي يتميز بـ:

  • سرعة هائلة: تتجاوز 5 أضعاف سرعة الصوت (ماخ 5).
  • قدرة فائقة على المناورة: مما يجعل التنبؤ بمساره من قبل الرادارات أمراً شبه مستحيل.
  • تجاوز الدفاعات: صُمم خصيصاً لإنهاك منظومات مثل "باتريوت" و"آرو".

تكتيك الإغراق: صراع المخازن والإرادة

لا تعتمد الاستراتيجية الإيرانية على جودة الصاروخ فحسب، بل على تكتيك "الإغراق الصاروخي". من خلال إطلاق مئات المسيرات والصواريخ في وقت واحد، يتم إشغال منظومات الدفاع الجوي واستنزاف مخزونها من الصواريخ الاعتراضية باهظة الثمن.

الخلاصة

إن التطور في الصواريخ الإيرانية لم يعد مجرد زيادة في المدى، بل هو تحول جذري نحو "الضربات الانتقامية الدقيقة". هذه التكنولوجيا جعلت من سماء المنطقة ساحة لصراع إلكتروني وتقني معقد، حيث لم يعد البقاء للأقوى فحسب، بل لمن يمتلك التكنولوجيا الأكثر ذكاءً وقدرة على المناورة.

المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *