مستقبل العمل بين النجوم: رؤية جيف بيزوس وتساؤلات العدالة
في مؤتمر تكنولوجي أقيم مؤخرًا في إيطاليا، أطلق مؤسس شركتي أمازون وبلو أوريجين، جيف بيزوس، توقعًا مثيرًا للجدل: ملايين البشر سيعيشون في الفضاء خلال العقود القليلة القادمة. وبرر بيزوس ذلك بأن الروبوتات ستكون أكثر كفاءة من حيث التكلفة لأداء المهام الشاقة، مما يجعل التواجد البشري هناك طوعيًا بالدرجة الأولى. ومع ذلك، يفتح هذا التصريح الباب أمام تساؤلات عميقة حول طبيعة العمل وظروفه في تلك البيئة القاسية.
استطلعت ماري جين روبنشتاين، عميدة العلوم الاجتماعية بجامعة ويسليان والمتخصصة في أخلاقيات الفضاء، أبعاد هذا التحول. ترى روبنشتاين أن المشكلة الجوهرية تكمن في “اختلال توازن القوة”. فإذا كان العمال على الأرض يعانون لتأمين لقمة العيش والرعاية الصحية، فإن تبعيتهم لأصحاب العمل في الفضاء ستتضاعف، حيث سيتحكم صاحب العمل ليس فقط في الأجر، بل في سبل الوصول إلى الغذاء والماء، وحتى الأكسجين.
معضلة الملكية: هل الفضاء ملك للجميع أم لمن يسبق؟
تثير قضية ملكية الموارد في الفضاء لغطًا قانونيًا كبيرًا. فبينما نصت معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 على أن الأجرام السماوية ملك للبشرية جمعاء، أصدرت الولايات المتحدة في عام 2015 قانون التنافسية في إطلاق الفضاء التجاري، والذي يمنح الشركات حق ملكية الموارد التي تستخرجها من الفضاء، حتى لو لم تكن تملك الجرم السماوي نفسه.
تشرح روبنشتاين هذا التناقض بتشبيه بليغ: “الأمر يشبه قولك إنك لا تملك المنزل، لكن يمكنك امتلاك الأرضيات والعوارض الخشبية. الموارد الموجودة داخل القمر هي القمر نفسه، ولا يمكن الفصل بينهما”. هذا الإطار القانوني دفع شركات ناشئة مثل AstroForge (المتخصصة في تعدين الكويكبات) و Interlune (التي تسعى لاستخراج الهيليوم-3 من القمر) إلى المضي قدمًا في خططها، مما يخلق صراعًا صفريًا؛ فما تستحوذ عليه الولايات المتحدة لن تجده الصين، والعكس صحيح.
جيوسياسية الفضاء: اتفاقيات أرتميس وتحدي التعاون الدولي
رداً على الانتقادات الدولية، أطلقت الولايات المتحدة في عام 2020 “اتفاقيات أرتميس”، وهي اتفاقيات ثنائية تكرس التفسير الأمريكي لقانون الفضاء. ورغم انضمام 60 دولة إليها، إلا أن روسيا والصين لا تزالان خارج هذا التحالف. وتؤكد روبنشتاين أن الولايات المتحدة تتبع استراتيجية فرض القواعد أولاً ثم دعوة الآخرين للانضمام أو البقاء خارج السباق.
تقترح روبنشتاين حلولاً قد تبدو صعبة التحقيق حاليًا، مثل:
- إعادة السيطرة الكاملة على إدارة الفضاء إلى لجنة الأمم المتحدة لاستخدام الفضاء الخارجي في الأغراض السلمية (COPUOS).
- إلغاء “تعديل وولف” الذي يمنع ناسا من التعاون مع الجهات الصينية، مؤكدة أن القدرة التكنولوجية على نقل مليون شخص إلى المريخ يجب أن ترافقها قدرة دبلوماسية على الحوار مع الخصوم.
حطام الفضاء: التهديد الذي قد يوحد الجميع
على الرغم من التوقعات المتشائمة، ترى روبنشتاين بصيص أمل في قضية “حطام الفضاء”. مع وجود أكثر من 40 ألف جسم يتم تتبعه في المدار، نقترب من سيناريو “تأثير كيسلر”، حيث تؤدي سلسلة من الاصطدامات إلى جعل المدار غير قابل للاستخدام لأي عمليات إطلاق مستقبلية. هنا تلتقي مصالح الجميع؛ الولايات المتحدة، الصين، والقطاع الخاص، حيث يمثل الحطام الفضائي تهديدًا وجوديًا لاستثماراتهم جميعًا.
في الختام، وبينما يسارع مؤسسو الشركات الناشئة لتحويل القمر إلى ما تشبهه روبنشتاين بـ “محطة وقود كونية”، يظل السؤال معلقًا: هل سننقل قيمنا الإنسانية والعدالة الاجتماعية إلى النجوم، أم سنكتفي بتكرار أخطاء الماضي الاستعمارية في بيئة لا ترحم؟
المصدر: TechCrunch


اترك تعليقاً