من ظلمات الوثنية إلى نور التوحيد: كيف غيّر النبي وجه العالم؟

مقدمة: العالم في انتظار الفجر

قبل أن تشرق شمس الرسالة المحمدية، كان العالم يرسف في أغلال من الظلام الدامس، والاضطراب العقدي، والانحدار الأخلاقي الذي لم تشهده البشرية في تاريخها. لم يكن الأمر مجرد غياب للعلم أو الحضارة المادية، بل كان انكساراً في الفطرة الإنسانية، وضياعاً للبوصلة التي تربط الأرض بالسماء. في تلك اللحظة الحرجة من تاريخ الإنسان، أذن الله لنور النبوة أن يبدد دياجير الظلام، ويحدث أعظم نقلة حضارية وتعبدية في تاريخ الوجود.

إن الحديث عن فضل خير البرية ﷺ على البشرية ليس مجرد استعراض تاريخي، بل هو قراءة في عبقرية التحول الذي نقل الإنسان من عبادة الحجر والشجر إلى عبادة رب البشر، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.

واقع العرب قبل البعثة: جاهلية عمياء

انحرف العرب قبل الإسلام عن الملة الحنيفية، ملة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، فاستبدلوا بالتوحيد وثنيةً مقيتة، وامتصت الأصنام عقولهم وأرواحهم. لم يكن الانحراف عقدياً فحسب، بل امتد ليشمل البنيان الاجتماعي والأخلاقي بالكامل. سادت الطبقية المقيتة، وقطعت الأرحام، وأهينت الكرامة الإنسانية، وارتكبت الفواحش تحت مسميات شتى.

ولعل أبلغ وصف يصور تلك الحقبة هو ما قاله جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، حين وقف أمام النجاشي ملك الحبشة، واصفاً حالهم قبل أن يمن الله عليهم بالإسلام، حيث قال: «أَيُّها الملك، كنّا قومًا أهل جاهليّة، نَعْبُد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونُسيء الجوار، ويأكل القويّ منّا الضعيف».

لقد كانت شريعة الغاب هي الحاكمة، وكان الإنسان يعيش بلا غاية سوى إشباع الغرائز وحماية القبيلة، حتى لو كان ذلك على حساب الحق والعدل.

العالم تحت وطأة الإمبراطوريات المتآكلة

إذا تركنا جزيرة العرب وانتقلنا إلى القوى العظمى في ذلك الوقت، الرومان والفرس، سنجد أن الحال لم يكن أفضل بكثير. فقد كان التخبط هو العنوان الأبرز لحياتهم:

1. الإمبراطورية الرومانية: صراعات وتفتت

كان الرومان يعتمدون نظاماً إقطاعياً صارماً، حيث يسيطر النبلاء على الأراضي الشاسعة، ويستعبدون الناس لإعاشة أتباعهم. أدى هذا النظام إلى حروب داخلية طاحنة، واشتدت الخصومات المذهبية بين طوائف المسيحيين، حتى انشغل العامة والخاصة بالجدل العقيم الذي لم يورث إلا الحيرة والتمزق. أما الجيش الروماني، فقد تحول إلى جيش مرتزقة يبحث عن المال فحسب، بلا قضية توحده أو هدف سامٍ يدفعه للتضحية.

2. الإمبراطورية الفارسية: استبداد وعقائد فاسدة

أما الفرس، فكانت العقيدة المجوسية هي المسيطرة، حيث ساد تقديس النيران والقوى الطبيعية. كان القادة العسكريون (المرازبة والدهاقين) يتحكمون في رقاب العباد ومقدرات البلاد. ومثل الروم، كان الجيش الفارسي يفتقر إلى العقيدة القتالية المؤمنة، فكان الارتزاق هو المحرك الوحيد للجند، مما جعل المجتمع الفارسي هشاً من الداخل رغم مظاهر القوة الخارجية.

النقلة الضخمة: محمد ﷺ يغير مجرى التاريخ

في وسط هذا الركام الإنساني، جاء النبي محمد ﷺ ليحدث نقلة نوعية في زمن قياسي. لم تكن ثورة مادية فحسب، بل كانت ثورة في الروح والعقل. يقول الفيلسوف والمؤرخ «كارليل» مقارناً بين حال العرب قبل الإسلام وبعده: «هم قوم يَضْربون في الصحراء، لا يُؤْبَه لهم عدَّة قرون؛ فلما جاءهم النبي العربي، أصبحوا قِبْلَة الأنظار في العلوم والعرفان، وكثروا بعد القلة، وعزُّوا بعد الذلة، ولم يَمْضِ قرن حتى استضاءت أطراف الأرض بعقولهم وعلومهم».

لقد استطاع النبي ﷺ أن يصهر هذه القبائل المتناحرة في بوتقة واحدة، وأن يبني من رعاة الإبل قادة للأمم، ليس بقوة السلاح فحسب، بل بقوة العقيدة التي حررتهم من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق.

جوهر الرسالة: من عبادة الأوثان إلى توحيد الديان

إن أعظم فضل لرسول الله ﷺ هو ترسيخ عقيدة التوحيد، التي هي حق الله الخالص على عباده. فبالتوحيد يتحقق الأمن النفسي والاجتماعي، وبه يسعد الإنسان في دارين.

عن مُعَاذ بن جبل رضي الله عنه، قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ، فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ»؟، قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ العِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: «لاَ تُبَشِّرْهُمْ، فَيَتَّكِلُوا».

لقد كان ضلال البشرية نابعاً من تدخل شياطين الإنس والجن لصرف الناس عن فطرتهم الحنيفة. وفي الحديث القدسي الذي يرويه عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ، أن رسول الله ﷺ قال في خطبته: «أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ، مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا، كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حلالٌ، وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا…».

لقد أطلع الله شمس الرسالة في تلك الظلمة لتكون سراجاً منيراً، فأبصر الناس بنور الوحي ما عجزت عقولهم عن إدراكه في غياب الهداية الربانية.

تأثير الإيمان في تهذيب الأخلاق والطباع

لم يكن الإسلام مجرد طقوس تُؤدى، بل كان منهجاً متكاملاً لإعادة صياغة الشخصية الإنسانية. قبل الإسلام، كانت الأهواء هي القائد، والمصلحة هي القبلة. جاء الإسلام ليهذب هذه الطباع، ويرتقي بالإنسان من مرتبة الغرائز الحيوانية إلى مرتبة السمو الملائكي.

يصف أبو الحسن الندوي هذا التحول المذهل بقوله: «كانوا قبل هذا الإيمان في فوضى من الأفعال والأخلاق والسلوك… لا يخضعون لسلطان، ولا يُقِرُّون بنظام… فأصبحوا الآن في حظيرة الإيمان والعبودية لا يخرجون منها، واعترفوا لله بالملك والسلطان والأمر والنهي… واستسلموا للحكم الإلهي استسلامًا كاملًا… وأصبحوا عبيدًا لا يملكون مالًا ولا نفسًا ولا تصرُّفًا في الحياة إلا ما يرضاه الله ويسمح به».

هذا الانضباط الأخلاقي هو الذي مكنهم من فتح البلاد وشرح قلوب العباد، فكانوا فاتحين بآدابهم قبل سيوفهم.

شهادات منصفة من الغرب

حتى الباحثون الغربيون الذين درسوا الحضارة الإسلامية بتجرد، ذهلوا من حجم القيم التي قدمها الإسلام للبشرية. يقول الباحث «إميل درمنجم» في كتابه «القِيَم الخالدة في الإسلام»: «إن حضارة الإسلام تقوم على رسالة سماوية، نظامها الاجتماعي يقوم على أُسْرة متماسكة، ونظامها الاقتصادي يَعتبر المال وسيلةً لا غاية، ويَحترم الملكية الفردية غير المُستغلَّة، وثقافتها تَستخدم العقل في كَسْب المعارف، ولا شك أن لدى المسلمين أكبر ذخيرة من القِيَم الأخلاقية والاجتماعية والسياسية».

واقع المسلمين اليوم: تشخيص وعلاج

قد يتساءل البعض: إذا كان الإسلام بهذه العظمة، فلماذا يعيش المسلمون اليوم حالة من التخلف والضعف؟ والإجابة تكمن في فهم عميق لطبيعة العلاقة بين المسلم ودينه.

يقول المفكر مالك بن نبي موضحاً هذه النقطة: «إن التخلُّف الذي يعاني منه المسلمون اليوم ليس سببه الإسلام، وإنما هو عقوبة مستحقَّة من الإسلام على المسلمين، لتخلّيهم عنه، لا لتمسكهم به، كما يظن بعض الجاهلين». إن الانفصام بين المنهج والتطبيق هو الذي أدى إلى هذا الواقع المتدني، ولا يمكن استعادة الأمجاد إلا بالعودة الصادقة إلى جوهر الرسالة المحمدية.

خاتمة: الطريق إلى العزة

إن فضل النبي ﷺ على البشرية سيبقى ديناً في عنق كل إنسان ينعم بالعدل والحرية والتوحيد. لقد أخرجنا الله به من ضيق الأنانية إلى سعة العبودية لله وحده. واليوم، نحن أحوج ما نكون إلى استلهام تلك الروح التي غيرت وجه الأرض.

إن العودة إلى الماضي التليد لا تكون بمجرد التغني بالأمجاد، بل بالإيمان الصادق الذي يتبعه عمل صالح، وخلق رفيع، وعلم نافع. اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، واجمع لنا خيري الدنيا والآخرة ببركة اتباع نبيك المصطفى ﷺ.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *