منهجية القرآن الكريم في مواجهة الفردانية المفرطة: رؤية إسلامية في تأصيل قيم التكافل والاجتماع البشري

مقدمة: أزمة الإنسان المعاصر بين ضجيج الحداثة وعزلة الذات

يعيش عالمنا المعاصر مفارقة صارخة؛ فبينما تتقارب المسافات الجغرافية وتتشابك خيوط التواصل الرقمي، يغرق الإنسان في “فردانية مفرطة” جعلت من “الأنا” مركزاً للكون وغاية للوجود. هذه الفلسفة المادية التي تقدس الاستهلاك واللذة الخاصة على حساب الروابط الاجتماعية، أدت إلى تآكل مفهوم الأسرة، وتفكك عرى المجتمع، وظهور أمراض العصر النفسية من اغتراب واكتئاب. وفي خضم هذا التيه، يبرز القرآن الكريم ليس فقط ككتاب عبادات، بل كمنهج حياة متكامل يقدم فلسفة اجتماعية فريدة، توازن بين حقوق الفرد ومصالح الجماعة، وتواجه الفردانية المتوحشة بروحانية التكافل وإنسانية الاجتماع.

أولاً: مفهوم الفردانية المفرطة في الميزان القرآني

الفردانية المفرطة (Hyper-Individualism) هي النزعة التي تجعل الفرد معياراً وحيداً للحقيقة والقيمة، متجاوزاً أي التزامات أخلاقية أو دينية تجاه الآخرين. القرآن الكريم شخّص هذه الحالة في نماذج بشرية كنموذج “قارون” الذي قال: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي)، ونموذج “فرعون” الذي استعلى بذاته، ونماذج المترفين الذين أنستهم ثرواتهم حقوق الفقراء.

إن القرآن لا يلغي “الفردية” الإيجابية التي تعني المسؤولية الشخصية (وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً)، بل يحارب “الفردانية” السلبية التي تنتهي بالإنسان إلى عبادة هواه، قال تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا). فالفلسفة القرآنية تؤصل لكون الإنسان “مستخلفاً” لا “مالكاً مطلقاً”، مما يحطم صنم الذاتية المفرطة.

ثانياً: فلسفة “الأمة” مقابل “القطيع” و”الشتات”

لقد استبدل القرآن الكريم مفهوم التجمعات العرقية أو المصلحية بمفهوم “الأمة”، وهي وحدة عضوية وفكرية تتجاوز الحدود الجغرافية والطبقية.

1. وحدة الأصل الإنساني

يؤسس القرآن للاجتماع الإنساني من خلال التذكير الدائم بوحدة الأصل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا). فالتنوع ليس سبباً للصراع أو الانكفاء على الذات، بل هو مدعاة لـ “التعارف” الذي يقتضي التفاعل والتكامل.

2. الأخوة الإيمانية كرباط اجتماعي

جعل القرآن الأخوة هي القاعدة الصلبة للعلاقة بين أفراد المجتمع، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ). وهذه الأخوة ليست شعاراً، بل هي عقد يترتب عليه حقوق وواجبات، تذيب جليد العزلة الفردية وتصهر الأفراد في كيان واحد كما وصفه النبي ﷺ: “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” (رواه مسلم).

ثالثاً: آليات القرآن في تفكيك التمركز حول الذات

لم يكتفِ القرآن بالتوجيهات النظرية، بل وضع منظومة عملية لكسر حدة الفردانية من خلال:

  • العبادات الجماعية: فمن صلاة الجماعة إلى الحج، يُفرض على المسلم الخروج من حيزه الخاص ليلتقي بالآخرين على اختلاف ألوانهم وطبقاتهم، مما يغرس فيه روح المساواة والاندماج.
  • منظومة الإنفاق (الزكاة والصدقة): الزكاة في القرآن ليست مجرد ضريبة، بل هي “تطهير” للنفس من الشح (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون). الشح هو جوهر الفردانية، والإنفاق هو الفعل المضاد الذي يربط مصير الغني بحاجة الفقير.
  • مبدأ التكافل الاجتماعي: يقول تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ). هذا التكافل يمتد ليشمل الجار، واليتيم، وابن السبيل، مما يخلق شبكة أمان اجتماعي تمنع الفرد من السقوط في هاوية التهميش أو الوحدة.

رابعاً: “الإيثار” كذروة سنام التحرر من الفردانية

في حين تقدس الرأسمالية الحديثة “المصلحة الشخصية” كمحرك وحيد للنشاط البشري، يقدم القرآن قيمة “الإيثار” كأسمى مراتب الرقي الإنساني. أثنى الله على الأنصار بقوله: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ).

الإيثار هو الترياق الحقيقي للفردانية المفرطة؛ لأنه يعني تنازل الفرد طواعية عن حظوظ نفسه لصالح أخيه، ليس عن ضعف، بل عن قوة روحية وإدراك لعمق الروابط الإنسانية. هذه القيمة هي التي حولت المجتمع المدني الأول من قبائل متناحرة إلى أعظم قوة اجتماعية عرفها التاريخ.

خامساً: المسؤولية المجتمعية ومبدأ “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”

تنمو الفردانية المفرطة في بيئة “لا شأن لي بالآخرين”، أما القرآن فيجعل الصلاح الفردي مرتبطاً بالصلاح الجماعي. مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو صمام أمان يمنع الإنسان من الانكفاء على صلاحه الشخصي مع إهمال فساد محيطه. يقول النبي ﷺ في حديث السفينة الشهير: “فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً” (رواه البخاري). هذا الحديث يجسد فلسفة “المصير المشترك” التي تحارب العزلة السلبية.

خاتمة: نحو استعادة الروح الاجتماعية القرآنية

إن منهجية القرآن الكريم في مواجهة الفردانية المفرطة لا تهدف إلى طمس شخصية الفرد أو مصادرة حريته، بل تهدف إلى تحريره من سجن “الأنا” الضيق إلى فضاء “نحن” الواسع. إنها دعوة للعودة إلى الفطرة التي جبلت الإنسان على كونه كائناً مدنياً واجتماعياً بامتياز.

لتحقيق هذه الرؤية في واقعنا المعاصر، نحن بحاجة إلى:

  • إعادة إحياء مفهوم “الجسد الواحد” في مؤسساتنا التعليمية والإعلامية.
  • تفعيل دور الأوقاف والمبادرات التطوعية كترجمة عملية لقيم التكافل.
  • ترسيخ الوعي بأن السعادة الحقيقية تكمن في العطاء لا في الأخذ فحسب.

ختاماً، سيبقى القرآن الكريم هو النبراس الذي يهدي البشرية في ظلمات المادية والفردانية، مؤكداً أن الإنسان لا يكتمل وجوده إلا بغيره، وأن الطريق إلى الله يمر دائماً عبر خدمة عياله، فـ “الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إليه أنفعهم لعياله”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *