مهرجان التراث الإسلامي في كالغاري: شمس المعرفة التي بددت غيوم الكراهية
هل يمكن لنسيج من الحرير الملون وعبق التوابل الشرقية أن يواجها رياح الكراهية العاتية؟ في مدينة كالغاري الكندية، لم يكن مهرجان التراث الإسلامي في كالغاري مجرد تجمع احتفالي، بل كان وقفة عز حضارية، تجسد قوة الكلمة الطيبة في مواجهة الصور النمطية المشوهة. في نسخته السادسة عشرة، أثبت هذا المهرجان أن المعرفة هي الترياق الوحيد لسموم الجهل، وأن الجمال قادر على ردم الفجوات التي يصنعها الخوف.
ستة عشر عاماً من البناء: رسالة صمود في وجه التهديد
منذ ستة عشر ربيعاً، انطلقت رحلة مهرجان التراث الإسلامي في كالغاري لتكون منارة للتعريف بالقيم الإسلامية السامية. هذا العام، جاء المهرجان في وقت عصيب، حيث لم يكن الطريق إليه مفروشاً بالورود، بل اعترضته سحب داكنة من التهديدات بالعنف ومنشورات الكراهية التي ضجت بها وسائل التواصل الاجتماعي.
ورغم الإجراءات الأمنية المشددة التي طبقت لأول مرة لضمان سلامة الزوار، إلا أن الإرادة كانت أقوى من الخوف. وكما يقول كمال خان، نائب رئيس مؤسسة "إيكنا": "نحن لا نغير الأفكار بالقوة، بل نقدم الصورة الصحيحة والمعرفة الدقيقة لندع الجمهور يحكم بنفسه". إنها فلسفة "السهل الممتنع" في الدعوة؛ حيث يتحدث العمل قبل القول.
واقع الأرقام: تحديات تفرضها موجات "الإسلاموفوبيا"
يأتي هذا الحراك الثقافي في ظل تصاعد مقلق لمؤشرات الكراهية في كندا، وهو ما يجعل من المهرجان ضرورة ملحة لا مجرد رفاهية ثقافية. ويمكن تلخيص بعض الحوادث المؤلمة التي سبقت المهرجان وألقت بظلالها على المشهد في النقاط التالية:
- يوليو 2024: اعتداء جسدي عنيف على امرأة مسلمة أمام طفلها في مدينة مونكتون.
- مايو 2024: تعرض رجل مسلم لضرب وحشي في منطقة سانت ألبرت بمقاطعة ألبرتا.
- أبريل 2024: تلقي جمعية الطلاب المسلمين بجامعة كالغاري تهديدات صريحة ومباشرة.
هذه الوقائع تمثل إحصائيات حية لظاهرة "الإسلاموفوبيا"، وهي المصطلح العلمي الذي يصف الخوف غير المبرر أو الكراهية الموجهة ضد الإسلام والمسلمين، وهو ما يسعى المهرجان لتفكيكه عبر الحوار المباشر.
الفسيفساء الكندية: حين تعزف الثقافات لحن الاندماج
داخل أروقة المهرجان، التي امتدت فعالياتها من العاشرة صباحاً وحتى الثامنة مساءً، تجلت صورة كندا الحقيقية؛ تلك "الفسيفساء" التي وصفها عضو البرلمان الكندي غريغ ماكلين. فالتنوع هنا ليس عبئاً، بل هو ثروة وطنية تزيد المجتمع قوة.
لقد شاركت مؤسسات تمثل دولاً عربية وإسلامية شتى، قدمت كل منها قطعة من روحها:
- عروض الأزياء التقليدية: التي تحكي قصص شعوب ضاربة في عمق التاريخ.
- المأكولات الشعبية: التي مثلت لغة عالمية يفهمها الجميع دون ترجمة.
- الفنون واللوحات: التي عكست الموروث الثقافي بجمالياته البصرية.
شهادات من القلب: ما يجمعنا أكثر مما يفرقنا
عبرت الزائرة الكندية شيرل راتزلاف عن جوهر التجربة بقولها إن ما لمسته من لطف وترحيب كان كفيلاً بكسر أي صور نمطية مسبقة. هذا الانطباع يعزز رؤية سارة البحيري، من منظمة "أصوات المسلمين من أجل فلسطين"، التي أكدت أن المجتمع المسلم يمثل نسيجاً متعدداً ينتمي لأعراق وثقافات من كل أنحاء الأرض، مما يجعله رافداً أساسياً في بناء كندا.
إن مهرجان التراث الإسلامي في كالغاري هو دعوة مفتوحة لكل من يحمل تساؤلاً أو ريبة، ليجد الإجابة في ابتسامة طفل مشارك، أو في طعم رغيف خبز تقليدي، أو في حوار هادئ يجمع بين جارين من خلفيتين مختلفتين.
الخاتمة: حكمة اللقاء
في الختام، يبقى مهرجان التراث الإسلامي في كالغاري شاهداً على أن الظلام مهما اشتد، لا يتبدد إلا بالنور. إن مواجهة الكراهية لا تكون بالانكفاء على الذات، بل بالانفتاح الواثق، وبناء الجسور التي تعبر عليها القلوب قبل العقول. لقد أسدل الستار على الفعالية، لكن أثرها باقٍ كبقاء القيم التي نادت بها؛ قيم الإخاء، والتناغم، والعيش المشترك تحت سماء واحدة تتسع للجميع.



اترك تعليقاً