أزمة الهوية في مهرجان برلين السينمائي: عندما تفرض غزة إيقاعها على السجادة الحمراء
رغم محاولات الانتقال إلى بريق العروض في اليوم الثاني من مهرجان برلين السينمائي الدولي في دورته الـ76، إلا أن ظلال "تصريح الافتتاح" لرئيس لجنة التحكيم ويم فيندرز ظلت تخيم على أجواء "بوتسدامر بلاتس". تلك العبارة التي دعت صناع الأفلام للبقاء "خارج السياسة"، فجرت بركاناً من الجدل لم يهدأ أثره بعد.
معضلة الحياد: السينما بين الفن والاستقطاب
شهدت ممرات المهرجان تحولاً جذرياً في المزاج العام؛ فبدلاً من الحديث عن التقنيات السينمائية، انصب الاهتمام على قدرة المهرجان الأكبر تسييساً في العالم على الموازنة بين هويته التاريخية وبين تجنب الصدام مع التعقيدات السياسية الراهنة حول غزة.
وقد وصفت الصحافة الألمانية، وعلى رأسها صحيفة "تاغس شبيغل"، هذا الوضع بـ "معضلة البرليناله الكبرى"، حيث يجد المهرجان نفسه عالقاً بين حرية التعبير المطلقة ومخاوف فقدان التوازن الرسمي والتمويلي.
انسحاب أرونداتي روي: الصدمة التي هزت الأروقة
لم يتوقف الأمر عند النقاشات النظرية، بل تجسد في واقعة انسحاب الكاتبة الهندية الشهيرة أرونداتي روي من قسم "كلاسيكيات المهرجان". ووصفت روي تصريحات فيندرز بأنها "أداة لإغلاق النقاش حول حقوق الإنسان"، مما حول المهرجان إلى ساحة سجال علني حول حدود الحياد الفني.
أبرز ردود الفعل الإعلامية على الأزمة:
- صحيفة الغارديان: رأت أن الانسحاب حول المهرجان إلى مواجهة حول "أخلاقيات الصمت".
- الإذاعة الثقافية الألمانية: أشارت إلى أن المهرجان يواجه نقاشاً وطنياً حول حدود التضامن المسموح بها.
- مجلتا فارايتي وهوليوود ريبورتر: ركزتا على "اقتصاد الكلام" والحذر الشديد الذي ساد المؤتمرات الصحفية.
تناقضات الشاشة: أفلام سياسية بطلب "غير سياسي"
في مفارقة صارخة، وبينما كانت الإدارة تطالب بالابتعاد عن السياسة، كانت شاشات المسابقة الرسمية تعرض أفلاماً غارقة في القضايا السياسية، مثل فيلم "الرسائل الصفراء" (Yellow Letters) للمخرج إيلكر تشاتك، الذي يناقش القمع والديمقراطية بشكل مباشر.
على الجانب الآخر، حاولت الإدارة استعادة الإيقاع الطبيعي من خلال عروض إنسانية وتكنولوجية:
- فيلم "رقصة الشمس": الذي كسر كليشيهات أفلام المرض وصور تمرد المراهقين على السرطان.
- فيلم "حظ سعيد، استمتع، ولا تمت": كوميديا خيال علمي تحذر من الرقمنة المفرطة.
غزة.. الحاضر الغائب في كل زاوية
لم تكن غزة حاضرة في الأفلام فحسب، بل في الشارات السوداء التي ارتداها المتطوعون، وفي المنشورات التي وزعها الناشطون بالقرب من قصر المهرجان. لقد أثبت اليوم الثاني أن محاولة فصل الشاشة عن الشارع في برلين هي محاولة لتعميق الاغتراب.
خاتمة التحليل:
انتهى اليوم الثاني ومهرجان برلين السينمائي يعمل بمحركين متضادين؛ محرك الأفلام التي تنشد الحقيقة، ومحرك الإدارة التي تخشى الصدام. لقد وضعت غزة "البرليناله" تحت مجهر أخلاقي دقيق، حيث لم يعد النجاح يقاس بجودة الإخراج، بل بالقدرة على حماية منصة الفن كفضاء حر في زمن الاستقطاب.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً