موقف الشريعة الإسلامية من المشاركة في احتفالات رأس السنة الميلادية (الكريسمس)

مقدمة حول التميز العَقَدي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: فإن الإسلام دينٌ يقوم على التميز في العبادة والشعائر، ومن هنا اتفق علماء الأمة على عدم جواز مشاركة المسلمين لغيرهم في أعيادهم الدينية كعيد “الكريسمس” أو رأس السنة الميلادية، أو تقديم التهنئة بها. وتستند هذه الفتوى إلى أدلة قطعية من مصادر التشريع الأربعة:

أولاً: الأدلة من القرآن الكريم

يقول الله تعالى في وصف عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً} (الفرقان:72).

  • تفسير السلف: ذهب كبار المفسرين مثل مجاهد والضحاك وابن سيرين إلى أن “الزور” المذكور في الآية هو أعياد المشركين.
  • وجه الدلالة: إذا كان الله قد مدح المؤمنين لمجرد عدم حضورهم أو رؤيتهم لهذه الأعياد، فإن المشاركة الفعلية فيها والاحتفال بها أشد حُرمة ومخالفة للمنهج القرآني.
  • ثانياً: الأدلة من السنة النبوية

    عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: (ما هذا اليومان؟) قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله ﷺ: (إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر).

  • وجه الدلالة: لفظ “الإبدال” في الحديث يقتضي ترك المبدل منه، فالمسلم يكتفي بما شرع الله له من أعياد (الفطر والأضحى) ولا يجمع بينها وبين أعياد الجاهلية أو الأمم الأخرى.
  • ثالثاً: الإجماع وأقوال الصحابة

  • شرط عمر بن الخطاب: اتفق الصحابة والفقهاء على ما وضعه عمر رضي الله عنه من شروط على أهل الذمة بأن لا يظهروا أعيادهم في بلاد المسلمين، فإذا مُنع أهلها من إظهارها، فمن باب أولى أن يُمنع المسلم من ممارستها.
  • تحذير عمر الفاروق: قال رضي الله عنه: (اجتنبوا أعداء الله في عيدهم)، وحذر من دخول كنائسهم وقت احتفالهم لأن السخط الإلهي ينزل عليهم في تلك الساعات.
  • رابعاً: الدليل من حيث الاعتبار والمنطق التشريعي

    1. خصوصية المناهج: الأعياد هي من أخص ما تتميز به الشرائع (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً)، فالموافقة في العيد هي موافقة في أخص شعائر الكفر.
    2. سد الذرائع: التساهل في هذه الاحتفالات الصغيرة يقود تدريجياً إلى ذوبان الهوية الإسلامية، حتى تصبح عادات الكفار منافسة لشعائر الله في قلوب العوام.

    خامساً: حكم التهنئة بهذه المناسبات

    نقل الإمام ابن القيم الإجماع على تحريم التهنئة بشعائر الكفر المختصة به، موضحاً الآتي:

  • التهنئة بعيد الكريسمس بمنزلة التهنئة بالسجود للصليب، وهي عند الله أعظم إثماً من التهنئة بشرب الخمر أو قتل النفس.
  • من يهنئ المشركين بعيدهم فقد تعرض لمقت الله، لأنه يقرهم على دين باطل وشعيرة تخالف توحيد الله.
  • سادساً: الرد على شبهة “المعاملة بالمثل”

    قد يتساءل البعض: هم يهنئوننا بأعيادنا، فلماذا لا نرد التحية بمثلها؟

  • الفرق الجوهري: أعياد المسلمين مبنية على الحق والتوحيد، وأعيادهم مبنية على الباطل أو المحرف من الدين، ولا يستوي الحق والباطل.
  • اشتمالها على المنكرات: أعيادهم لا تخلوا من الشرك (كادعاء الولد لله تعالى) والمنكرات الأخلاقية، فلا يليق بمسلم يوحد الله أن يبارك لشخص في يوم يسب فيه ربه أو يشرك به.

خاتمة:
على المسلم أن يعتز بدينه ويحافظ على عقيدته، ويتقي الله في تصرفاته، مبتعداً عن التشبه بغيره فيما يخص معتقداتهم، سائلين الله أن يصلح أحوال المسلمين ويهديهم للصراط المستقيم.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *