مي زيادة.. 140 عاماً من الحضور المتجدد في الوجدان العربي
تمر اليوم الذكرى الـ 140 لميلاد الأديبة والشاعرة الاستثنائية مي زيادة، التي ولدت في 11 فبراير/شباط 1886، ولا تزال بصمتها محفورة في ذاكرة الأدب والفكر العربي المعاصر. لم تكن مي مجرد كاتبة عابرة، بل كانت صوتاً نقدياً جسوراً وحضوراً ثقافياً تجاوز حدود الإنتاج الأدبي التقليدي، لتقود نقاشاً عميقاً حول دور المرأة في مجتمع كان يتلمس خطواته الأولى نحو الحداثة.
من الناصرة إلى القاهرة.. رحلة التكوين الفكري واللغوي
ولدت ماري إلياس زيادة (التي عرفت لاحقاً باسم مي) في مدينة الناصرة الفلسطينية، من أب لبناني وأم فلسطينية. بدأت رحلتها التعليمية في مدارس الراهبات، حيث أتقنت الفرنسية والإيطالية والموسيقى، قبل أن تنتقل إلى لبنان لمواصلة دراستها. وفي عام 1907، شهدت حياتها تحولاً جذرياً بانتقال أسرتها إلى القاهرة، قلب الثقافة العربية آنذاك.
في القاهرة، لم تكتفِ مي بالتدريس، بل انخرطت في العمل الصحفي عبر صحيفة “المحروسة” التي امتلكها والدها. هناك، بدأت ملامح شخصيتها الأدبية تتشكل، حيث نشرت أول ديوان شعري لها بالفرنسية عام 1911 بعنوان “أزاهير الحلم” تحت اسم مستعار هو “إيزيس كوبيا”. لكنها سرعان ما انحازت للغتها العربية، وغيرت اسمها إلى “مي”، لتبدأ مسيرة التألق في الصحافة النقدية والاجتماعية.
صالون الثلاثاء.. برلمان الفكر والأدب في عصر النهضة
تُعد مي زيادة صاحبة أشهر صالون أدبي في العصر الحديث؛ فقد أسست عام 1913 “صالون الثلاثاء”، الذي ظل منارة ثقافية لقرابة عشرين عاماً. كان صالونها “ديمقراطياً” كما وصفه عميد الأدب العربي طه حسين، حيث جمع تحت سقفه أقطاب الفكر مثل عباس محمود العقاد، ومصطفى صادق الرافعي، وأحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، وخليل مطران.
في هذا الصالون، لم تكن مي مجرد مضيفة، بل كانت مديرة بارعة للحوار، تناقش الفلسفة، والتاريخ، والأدب، والموسيقى بلغات متعددة، مما جعلها تستحق ألقاباً مثل “فراشة الأدب” و”فريدة العصر”. وقد أسهم هذا الانفتاح الثقافي في جعلها جسراً بين الفكر العربي والمستشرقين الأوروبيين الذين واصلت مراسلتهم لسنوات طويلة.
الحب الذي لم تره العيون.. قصة مي وجبران
رغم كثرة المعجبين والمحيطين بها، بقيت علاقة مي زيادة العاطفية الأبرز هي تلك التي ربطتها بالأديب جبران خليل جبران. كانت قصة حب فريدة من نوعها، استمرت لـ 20 عاماً عبر المراسلات البريدية فقط، دون أن يلتقيا وجهاً لوجه ولو لمرة واحدة. رحل جبران في عام 1931، تاركاً في قلب مي جرحاً لم يندمل، وكان رحيله بداية لسلسلة من الفواجع التي عصفت بحياتها.
محنة “العصفورية”.. المؤامرة والانهيار النفسي
عاشت مي سنوات مريرة بعد وفاة والدها (1929) ثم جبران (1931) ووالدتها (1932). هذا التوالي من الفقد أدخلها في نوبة اكتئاب حاد وعزلة قاسية. وفي عام 1935، تعرضت لغدر من بعض أقاربها الذين نقلوها قسراً إلى لبنان وأودعوها مستشفى “العصفورية” للأمراض العقلية، بدعوى حاجتها للعلاج، في محاولة للاستيلاء على أموالها.
لكن إرادة مي لم تنكسر؛ فقد أضربت عن الطعام وخاضت معركة كرامة داخل المحتجز. انتفض الأدباء والمثقفون العرب، وعلى رأسهم أمين الريحاني، دفاعاً عنها، حتى نجحت الجهود الطبية والقانونية في إثبات سلامة عقلها وأهليتها، واستعادت حريتها بقرار قضائي في بيروت ثم القاهرة عام 1939.
الإرث الخالد وكلمات الوداع
في عام 1941، ألقت مي محاضرتها الأخيرة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة بعنوان “عيشي بخطر”، وكأنها تلخص مسيرتها التي كانت مواجهة مستمرة مع القيود. توفيت في أكتوبر من العام نفسه عن عمر ناهز 55 عاماً، تاركة وراءها ثروة أدبية تضم كتباً مثل “سوانح فتاة”، “بين المد والجزر”، و”باحثة البادية”.
اليوم، تظل مي زيادة رمزاً للمرأة التي رفضت أن تكون مجرد “ملهمة” في صالونات الرجال، لتصنع لنفسها كرسياً في صدارة المشهد الثقافي، وتثبت أن العبقرية لا تعرف جنساً، وأن الحرية الفكرية هي أسمى ما يسعى إليه المبدع.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً