ميثاق القلوب الظامئة: في رحاب القرآن وواجباتنا نحو وحي السماء

يعيش العالم اليوم في غمرة من المتغيرات المتسارعة التي استلبت من الإنسان سكينته، وصرفته عن غايته الوجودية الكبرى، وفي خضم هذا الصخب نلحظ ظاهرة مؤلمة تخيم على واقع الأمة الإسلامية، وهي “هجر القرآن الكريم”. إن المتأمل في أحوال المسلمين اليوم يجد بوناً شاسعاً بين لقب “أمة اقرأ” وبين واقع تلاوة كتاب الله؛ إذ تمضي الأيام وتتعاقب الشهور على الكثيرين دون أن تلامس أناملهم غلاف المصحف، أو ترطب ألسنتهم آياته، مكتفين بما يتساقط من تلاوات عابرة أثناء الصلاة. وفي المقابل، نجد انغماساً كلياً في متابعة الشاشات، وإبحاراً لا ينتهي في فضاءات الإنترنت والصحف والمجلات. إن هذا الواقع يفرض علينا وقفة صادقة مع النفس، لاستنطاق أسباب هذا الهجر، واستكشاف السبل العملية للعودة إلى مائدة القرآن، والوفاء بواجباتنا نحو هذا الدستور الإلهي الخالد.

أولاً: تشخيص داء الهجر.. الأسباب ومسارات العلاج

إن هجر القرآن ليس مجرد تركٍ عارض، بل هو داء له جذور نفسية واجتماعية تستدعي التفكيك والتحليل، ومن أبرز هذه الأسباب:

1. الاستغراق في مادية الدنيا وبهرجها:
انفتح العالم على المسلمين بفتنه وزينته، فانخرط الكثيرون في سباق محموم نحو “الكماليات” التي صُورت لهم على أنها “ضروريات”، فصار الليل والنهار موصولين في كدٍّ لا ينقطع لتأمين لقمة العيش أو الرفاهية المفرطة. هذا الارتماء في أحضان الدنيا جعل الوقت يضيق عن كلام الله، حتى صار المرء يعود إلى بيته منهك القوى، يرى في الفراش غايته القصوى، ولا يجد في قلبه أو وقته متسعاً لآية واحدة.

  • الدواء الناجع:
  • يكمن العلاج في استحضار التحذير النبوي العميق الذي وضعه الرسول ﷺ كقاعدة تربوية: «فَوَاللَّهِ مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا، كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُلْهِيَكُمْ كَمَا أَلْهَتْهُمْ». إن إدراك الغاية من الوجود، والمتمثلة في العبودية الخالصة لله، هو الكفيل بتغيير البوصلة؛ فالقرآن ليس كتاباً للتبرك فحسب، بل هو منهج حياة ينظم العمل، ويربي الأبناء، ويوجه الحركة والسكنة. ويجب أن نستيقن أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأن انشغالنا بعبادته لا ينقص من رزقنا شيئاً. ومن مقتضيات العبودية أن يكون “المحيا والممات” لله رب العالمين، فكيف نرجو من الله التوفيق والرزق ونحن نُعرض عن خطابه ونهجر كلامه؟

    2. ضعف الهمة والفتور الروحي:
    إن ضعف الإرادة وتشتت العزيمة مرض عضال أصاب المفاصل الروحية لكثير من أبناء الأمة، فما أن يبدأ أحدهم في قراءة القرآن يوماً حتى يغيب عنه أياماً، وهذا التذبذب هو نتيجة لضعف الصلة بالله. إن حالة الكرب والضيق التي تعاني منها الأمة ليست إلا أثراً من آثار الإعراض عن الوحي، مصداقاً لقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}.

  • طريق النهوض بالهمة:
  • يؤكد الإمام ابن القيم أن القبح يتجسد في غفلة الإنسان عن الفضائل الدينية والعلوم النافعة، واصفاً من هجر هذه الفضائل بأنه من “الهمج الرعاع” الذين لا قيمة لوجودهم. ولعلاج هذا الفتور، ينبغي اتباع التوجيه النبوي في “المداومة على القليل”، فقد كان أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل.
    وقد فصّل ابن الجوزي -رحمه الله- في سر حب العمل الدائم لسببين:
    * الأول: أن ترك العمل بعد البدء فيه يشبه الإعراض بعد الوصل، وهو أمر مذموم، تماماً كمن يحفظ آية ثم ينساها إهمالاً، فإنه يعرّض نفسه للوعيد لأنه زهد في القرب بعد أن ناله.
    * الثاني: أن المداوم على الخير كالملازم لباب السلطان، يتردد عليه في كل وقت، فلا يُنسى من بره وجوده، بخلاف من يحضر يوماً ويغيب شهراً. إننا نحتاج إلى وقفة محاسبة: كم مرة ختمنا القرآن منذ رمضان الماضي؟ إن الحرمان من لذة القرآن يستوجب البكاء دماً، فكيف تمر الشهور وحلاوة الوحي غائبة عن قلوبنا؟

    3. الخلل المنهجي وتقديم الوسائل على المقاصد:
    من تلبيس إبليس على بعض طلبة العلم والباحثين أن يشغلهم بطلب العلوم والآلات العلمية عن القرآن نفسه في بداية طريقهم، فتجد الواحد منهم يتخبط في المتون والكتب الفقهية أو اللغوية وهو لم يتقن تلاوة كتاب الله أو يخصص لنفسه ورداً ثابتاً. إن ضياع المنهجية الصحيحة والتلقي بغير هدي العلماء الربانيين أدى إلى هذا الخلل.

  • هدي السلف في الترتيب:
  • لم يكن هذا هو حال العلماء المتقدمين؛ فعندما دخل بعض الفقهاء على الإمام الشافعي ورأوا بين يديه المصحف، قال لهم موبخاً برفق: “شغلكم الفقه عن القرآن!”، ثم كشف عن حاله قائلاً إنه لا يترك المصحف من يده من بعد صلاة العشاء حتى يطلع الصبح. هذا الدرس يوضح أن العلوم كلها خادمة للقرآن، ولا يجوز أن تكون حجاباً عنه.

    ثانياً: قطوف من ثمار التلاوة وفضائل القرآن

    إن الجهل بعظم الأجر والثمرات المترتبة على تلاوة القرآن هو أحد أكبر العوائق التي تمنع المرء من الإقبال عليه. فلو علم المؤمن ما في التلاوة من كنوز دنيوية وأخروية، لعضّ عليها بالنواجذ، ومن هذه الثمرات:

    1. التجارة الرابحة التي لا تبور:
    وصف الله تعالى الذين يتلون كتابه ويقيمون الصلاة وينفقون في سبيله بأنهم يرجون “تجارة لن تبور”. إنها صفة القراء العاملين الذين جعلوا القرآن ديدنهم وسمتهم. وتتجلى عظمة هذه التجارة في أن الحرف الواحد بحسنة، والحسنة تضاعف إلى عشرة أمثالها، كما أخبر الصادق المصدوق ﷺ: «لا أقول الم حرف، ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف». وهذا الأجر يزداد ويتضاعف بحسب إخلاص القارئ، وخشوع قلبه، وتدبره لمرامي الآيات، وتأدبه مع جلال الكلمات.

    2. تنزل السكينة وحفوف الملائكة:
    إن مجالس القرآن هي واحات أمن في صحراء القلق العالمي. فعندما يجتمع القوم في بيت من بيوت الله يتلون كتابه ويتدارسونه، تغشاهم الرحمة، وتحفهم الملائكة، وتتنزل عليهم السكينة، ويذكرهم الله فيمن عنده.

  • معنى السكينة: هي ذلك الوقار والطمأنينة التي يقذفها الله في القلب، فتثبته عند المحن، وتزيل عنه اضطرابات الهموم والأحزان.
  • السكينة في البيوت: لا يقتصر فضل السكينة على المساجد، بل يمتد إلى البيوت؛ فحديث البراء بن عازب عن الرجل الذي قرأ سورة الكهف فغشيته سحابة وجعلت دابته تنفر، أكد فيه النبي ﷺ أنها السكينة تنزلت للقرآن. وكذلك قصة أسيد بن حضير الذي رأى مثل “الظلة” فيها أمثال السرج وهي الملائكة دنت لصوته الجميل بالقرآن. إن هذه الآثار الروحية هي العلاج الحقيقي لمن يهرعون إلى العيادات النفسية طلباً للراحة، بينما شفاؤهم وسكينتهم في دفتي المصحف.
  • 3. القرآن حلية أهل الإيمان ومعيار طيبهم:
    وضع لنا النبي ﷺ مقياساً دقيقاً يفرق بين أحوال الناس مع القرآن عبر “مثل الأترجة” (الليمون الكبير):

  • المؤمن القارئ: هو الأكمل حالاً، كالأترجة؛ ريحها طيب وطعمها طيب، فهو مبارك في باطنه بإيمانه، ومبارك في ظاهره بتلاوته وعمله الذي ينفع الناس.
  • المؤمن غير القارئ: كالتمرة؛ طعمها طيب (إيمانه) ولكن لا ريح لها، وهذا نقص في كمال الشخصية المسلمة التي ينبغي أن يفوح أريج قرآنها في الآفاق.
  • المنافق القارئ: كالريحانة؛ ريحها طيب ولكن طعمها مر، فهو مراءٍ يظهر ما لا يبطن.
  • المنافق غير القارئ: كالحنظلة؛ طعمها مر ولا ريح لها، وهو شر الأحوال.

إن التفاوت بين هذه الأصناف يبرز لنا أهمية القرآن في صياغة الشخصية المسلمة، فلا يُتصور أن ينفصل القرآن عن المؤمن أبداً، فالهجرة عن القرآن هي هجرة عن روح الإيمان وجوهره.

إن الواجب اليوم يحتم علينا نبذ الهجر بكل أشكاله؛ هجر التلاوة، وهجر التدبر، وهجر العمل. وليكن شعارنا العودة الصادقة إلى رحاب الوحي، مستحضرين شكوى الرسول ﷺ: {يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}. نسأل الله العظيم أن يجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وأن يردنا إليه رداً جميلاً، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *