ميزان المكاسب ومآلات المحاسبة: قراءة في فقه المسؤولية وحقيقة الاغترار بالدنيا

إن الحياة الدنيا، بما تشتمل عليه من زخرف زائل وبريق خادع، تمارس على النفس البشرية نوعاً من التنويم المغناطيسي، فتصور لها أن الغاية الكبرى هي مراكمة الحطام، وتوهمها أن النجاح يُقاس بمدى القدرة على اقتناص الفرص بغض النظر عن مشروعيتها. إننا نعيش في عصر اختلطت فيه المفاهيم، وانقلبت فيه الموازين، حتى صار الالتزام بالثوابت يُسمى عجزاً، والالتفاف على القوانين والشرائع يُسمى “مهارة” و”ذكاءً”، وصار المكسب السريع -وإن كان مشبوهاً- هو المعيار الوحيد للتفوق والريادة.

فخ الذكاء الموهوم ومنطق “كل الناس تفعل”

تتسلل الدنيا إلى وعي الإنسان عبر أبواب متعددة، أخطرها باب “العقلانية المادية”. فهي تحاول إقناع المرء بأن الانتهازية نوع من الفطنة، وأن الوصول إلى الغايات بطرق ملتوية هو دليل على سعة الحيلة والقدرة على مسايرة العصر. في هذا السياق، يصبح الصدق عبئاً، والأمانة معوقاً، والورع تزمتاً لا مبرر له.

ومن الحيل النفسية التي يستخدمها الشيطان وتكرسها الدنيا في قلب العبد، هي فكرة “الشيوع والانتشار”. فحين يرى الإنسان أن من حوله يتساهلون في الحرام، ويقبلون الرشوة، ويستحلون أموال الخلق بذريعة “المهارة التجارية”، يبدأ في إقناع نفسه بأن “كل الناس يفعلون ذلك”، وكأن الكثرة مبرر للخطأ، أو كأن اجتماع الناس على معصية يرفع عنها صفة الحرمة. إن هذا المنطق هو الذي يورد الموارد، ويجعل الإنسان يغرق في مستنقع التجاوزات وهو يبتسم، ظناً منه أنه قد أدرك ما فات غيره من “الأذكياء”.

لحظة الحساب وصحوة المخدوع

لكن هذه الدنيا التي تزين للعبد سوء عمله، لا تلبث أن تنقلب عليه في اللحظة الحاسمة. إنها تشبه بائعاً لعوباً يعطيك كل ما تشتهيه دون أن يطلب منك الثمن في البداية، حتى إذا تجمعت لديك الأثقال، وغرقت في الاستهلاك، وقف عند الباب ليطالبك بالثمن باهظاً، ولن يقبل منك عذراً ولا تذللاً. حينها فقط، يدرك الإنسان أن تلك “المهارة” التي كان يفتخر بها كانت محض حبال التف حول عنقه، وأن ذلك “الذكاء” كان قمة الغباء في ميزان الأبدية.

إن الدنيا لا تمنح شيئاً مجاناً، فكل لذة محرمة لها ثمن، وكل تجاوز للأمانة له فاتورة ستدفعها يوماً ما، سواء كان ذلك في الدنيا عبر ضيق الصدر ومحق البركة، أو في الآخرة حين يقف العبد وحيداً أمام خالقه. إن الابتسامة التي كانت الدنيا تبتسمها لك وأنت تعصي، كانت ابتسامة سخرية لا ابتسامة رضا، فهي تعلم أنك تشتري فناءً ببقاء، وتبيع عظيماً بزهيد.

عمق التحذير النبوي: “مَن حُوسِبَ عُذِّبَ”

في هذا السياق، يأتي التوجيه النبوي العظيم ليضع النقاط على الحروف، ويقطع دابر الجدال العقيم. لقد قال النبي ﷺ: «مَن حُوسِبَ عُذِّبَ». وهذا الحديث الصحيح يحمل في طياته رهبة تنخلع لها القلوب الحية. فمجرد “المناقشة” في الحساب، ومجرد الوقوف للتدقيق في كل صغيرة وكبيرة، هو في حد ذاته نوع من العذاب النفسي والروحاني الذي لا يطاق.

فإذا كان هذا شأن الحساب على وجه العموم، فكيف سيكون الحال إذا كان الحساب على مظالم العباد، أو على أموال جُمعت من غير حلها؟ إن الوقوف بين يدي الله ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو كشف للمستور، وفضح للمكنون، وتعرية لكل تلك الحيل التي كان الإنسان يسميها في الدنيا “ذكاءً” و”شطارة”. إن من يُناقش الحساب يوم القيامة فقد هلك، لأن الميزان إلهي، والعدل مطلق، ولا مكان هناك للالتفاف أو الروغان. لذا، فإن العاقل هو من يحاسب نفسه قبل أن يُحاسب، ومن يدرك أن كل ثانية وكل درهم سيمر عبر مصفاة الحساب الدقيقة، فإما نجاة وإما هلاك.

فلسفة العطاء والمنع: هل الأبواب المفتوحة دائماً تكريم؟

من الأخطاء الكبرى التي يقع فيها البشر هي ربط الرضا الإلهي بالبسط في الدنيا. فكثيراً ما نجد من يفرح لأن الأبواب فُتحت له من كل جانب، فيظن أن ذلك علامة على محبة الله له أو على حسن تدبيره، وينسى أن الله قد يفتح الأبواب اختباراً واستدراجاً. إن بعض الفتح هو في حقيقته امتحان لصبر العبد وشكره، وهل سيسخر هذه النعم في طاعة المنعم أم سيطغى بها؟

وعلى النقيض من ذلك، نجد من يحزن ويضيق صدره لأن الأبواب أُغلقت في وجهه، ولأن الدنيا لم تطاوعه كما طاوعت غيره. والحقيقة التي تغيب عن الكثيرين هي أن “المنع” قد يكون هو “عين العطاء”. فقد يغلق الله عنك باباً من الرزق لأنه يعلم أن فيه هلاك دينك، أو يمنع عنك منصباً لأنه سيقودك إلى الظلم. إن الله يحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام الذي يضره. فالعبرة ليست بفتح الباب أو غلقه، بل بمآل هذا الفتح وهذا الإغلاق على علاقتك بخالقك.

المعادلة النهائية: حلال يُحاسب عليه وحرام يُعذب بسببه

إن حقيقة الوجود يمكن تلخيصها في معادلة واضحة وصريحة لا تقبل التأويل: لا يوجد في شرع الله شيء “مجاني” بمعنى عدم المسؤولية. فالحرام طريق معلوم نهايته، وهو النار والعياذ بالله، مالم يتغمد الله العبد برحمته وتوبة نصوح. أما الحلال، وهو ما يظن الكثيرون أنهم في مأمن فيه، فإنه خاضع للمساءلة والحساب.

ستُسأل عن الحلال: من أين اكتسبته؟ وفيمَ أنفقته؟ هل أديت حق الله فيه؟ هل طغيت به على من هم دونك؟ هل شغلك الحلال عن المنعم سبحانه؟ إذا كانت هذه هي الأسئلة الموجهة لصاحب الحلال، فما بالكم بمن غرق في الحرام وأكل حقوق اليتامى وبنى ثروته من الغش والتدليس؟ إن من يعتقد أن كونه يجمع المال من حلال يعفيه من السؤال فهو واهم، فالسؤال عن “النعيم” قائم بنص القرآن، والحساب على الحلال قد يطول بقدر عظم هذا الحلال وتشعبه.

الخيار لك: ماذا تحب أن تُسأل عنه غداً؟

إن الوقت يمر، والجدال في بديهيات الشرع لن يغير من الحقيقة شيئاً. نحن الآن في دار العمل، حيث نملك خيار “تحديد نوع الأسئلة” التي سنواجهها غداً. كل فعل تقوم به اليوم هو جملة في سجل حسابك غداً. فمن أراد أن يهون عليه الحساب، فليخفف من أثقاله في الدنيا، وليتقِ الشبهات، وليعلم أن الكفاف مع السلامة خير من الغنى مع العطب.

إن الدنيا ليست صديقة لأحد، ومن اعتقد وفاءها فقد أخطأ العنوان. إنها مجرد قنطرة، والذكي حقاً ليس من يجمع الحجارة على القنطرة ليعيق حركته، بل من يتخفف ليعبر بسلام. إن الفارق بين الفوز والخسارة يكمن في “الورع”؛ ذلك الشعور الدائم بأن الله يراقب، وأن كل حركة وسكون مرصودة في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

الخاتمة: الاستعداد لما بعد الموت

في نهاية المطاف، يبقى الموت هو الحقيقة التي تهدم كل الأوهام. حينها ستتلاشى كل المبررات التي كنا نسوقها لأنفسنا لتبرير تجاوزاتنا. لن ينفعنا عندها قولنا “كان الجميع يفعل ذلك”، ولن تشفع لنا “مهاراتنا” في الالتفاف على الحقائق. سيبقى فقط ما قدمناه من صدق، وما تورعنا عنه من شبهات.

فاختر لنفسك مقاماً تليق به كرامتك كعبد لله وحده. لا تجعل الدنيا تسخر منك بوعودها الكاذبة، واعلم أن كل شيء يزول إلا العمل الصالح والنية الخالصة. إن الحساب آتٍ لا محالة، فإما حساب يسير لمن أطاع واتقى، وإما مناقشة حساب تؤدي إلى عذاب لمن طغى وآثر الحياة الدنيا. اجعل همك الأول هو كيف تخرج من هذه الدنيا بأقل قدر من التبعات، وبأكبر قدر من الحسنات، فالدنيا ساعة فاجعلها طاعة، والنفس طماعة فعلمها القناعة. وتذكر دائماً: إذا كان الحلال فيه حساب، فكيف سيكون حال من غاص في الحرام؟ اتقِ الله حيثما كنت، واعلم أن ما عند الله لا يُنال إلا بطاعته، وأن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه وآخرته.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *