هل يغفو العالم إذا توقف نبض مضيق هرمز؟
تخيل أن ينحبس النفس عن رئة التجارة العالمية، أو يتوقف شريان يضخ الحياة في بيوت ومصانع القارات البعيدة؛ هذا هو التساؤل الذي يضع مضيق هرمز اليوم على طاولة الحوار في مسقط. ففي ظل أمواج متلاطمة من التوترات السياسية، تبرز سلطنة عمان كواحة للدبلوماسية الهادئة، حيث تستعد لاستضافة اجتماع إقليمي رفيع المستوى يوم الاثنين المقبل، يجمع وزراء خارجية ثماني دول مطلة على الخليج، بما في ذلك إيران والعراق، في محاولة جادة لتأمين مسارات الشحن التجاري التي تعد عصب الاقتصاد العالمي.
مسقط.. أروقة الحوار وتحديات الجغرافيا
أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أن طهران تعول على هذا اللقاء لتعزيز التفاهم المشترك. فالاجتماع لا يبحث في العموميات، بل يغوص في تفاصيل فنية وسياسية معقدة نتاج مباحثات إيرانية عمانية سابقة. والهدف واضح: صياغة بروتوكولات تضمن سلامة السفن التجارية في ممر مائي لا يقبل القسمة على الفوضى.
ممر جديد تحت مجهر السيادة
أشار محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إلى تطور جوهري يتمثل في:
- اتفاق مرتقب: توقيع اتفاقية مع سلطنة عمان بشأن ممر ملاحي جديد في مضيق هرمز.
- السيطرة الميدانية: الممر المقترح يخضع مدخله ومخرجه للسيطرة الإيرانية، مما يضيف بعداً جديداً لمعادلة أمن الطاقة.
لغة الأرقام وأوجاع الصراع المكتوم
لا يمكن قراءة هذا الاجتماع بمعزل عن الحقائق القاسية التي شهدتها المنطقة مؤخراً. فالمفاوضات تجري فوق رمال متحركة خلفتها مواجهات عسكرية واقتصادية أرهقت كاهل الاستقرار الإقليمي، ويمكن تلخيص المشهد في الحقائق التالية:
- كلفة الدماء: أسفرت حرب 28 فبراير الماضي عن مقتل أكثر من 3000 شخص، وهي مأساة إنسانية تعكس حجم الانفجار الذي قد يسببه انسداد أفق الحل.
- تعثر الدبلوماسية: رغم التوصل لمذكرة تفاهم في 18 يونيو لإنهاء العمليات العسكرية، إلا أن المهلة المحددة بـ 60 يوماً للاتفاق النهائي تلاشت مع تجدد الضربات الأمريكية في يوليو.
- الحصار البحري: تؤكد طهران أن استدامة الأمن في مضيق هرمز ترتبط طردياً برفع الحصار البحري الأمريكي المفروض على موانئها، واصفة إياه بالعائق الرئيس أمام انسيابية الحركة.
أمن الملاحة.. مسؤولية جماعية أم ورقة ضغط؟
إن سعي الدول المطلة على الخليج لتجسير الفجوات يعكس إدراكاً عميقاً بأن أمن هذا الممر المائي هو "أمن قومي مشترك". فالمضيق ليس مجازاً مائياً ضيقاً فحسب، بل هو عنق زجاجة تمر عبره ملايين البراميل من النفط يومياً، وأي اضطراب فيه يشبه "أثراً للفراشة" يبدأ من مياه الخليج وينتهي بزيادة أسعار الوقود في أقاصي الأرض.
تؤكد الخارجية الإيرانية أن الهدف هو "تعزيز التفاهم"، لكن الواقع يفرض أسئلة صعبة حول مدى قدرة الأطراف الإقليمية على تحييد ممرات التجارة عن الصراعات العسكرية المباشرة، خاصة مع استمرار تبادل الهجمات المتققطعة بين واشنطن وطهران.
خاتمة: الحكمة العمانية في مهب الريح
يبقى اجتماع مسقط بارقة أمل في ليل التوترات الطويل. إن الجغرافيا قدر، والتاريخ يعلمنا أن الممرات المائية التي تربط الشعوب يجب أن تكون جسوراً للسلام لا ساحات للنزاع. فهل تنجح الدبلوماسية العمانية في تحويل مضيق هرمز من منطقة اشتباك إلى ممر آمن يضمن تدفق الحياة للعالم أجمع؟ إن غداً لناظره قريب، والحكمة تقتضي أن ندرك أن استقرار البحر يبدأ دائماً من هدوء اليابسة.



اترك تعليقاً