نحو استعمار القمر: جيل جديد من الروبوتات ذاتية القيادة لاستكشاف أنابيب الحمم البركانية

نحو استعمار القمر: جيل جديد من الروبوتات ذاتية القيادة لاستكشاف أنابيب الحمم البركانية

مقدمة: البحث عن ملاذ آمن في بيئات فضائية قاسية

لطالما كان استكشاف القمر والمريخ حلماً يراود البشرية، إلا أن التحديات البيئية تظل العائق الأكبر أمام إقامة قواعد مستدامة. تعد الإشعاعات الكونية الضارة، والتقلبات الحرارية الشديدة، والاصطدامات المتكررة للنيازك الدقيقة من أبرز المخاطر التي تهدد حياة رواد الفضاء. وفي هذا السياق، برزت “أنابيب الحمم البركانية” (Lava Tubes) كمرشح مثالي لتكون مواقع لبناء المستعمرات المستقبلية؛ فهي أنفاق طبيعية تشكلت بفعل النشاط البركاني القديم، وتوفر حماية طبيعية فائقة ضد المخاطر السطحية.

رغم هذه المزايا، تظل عملية الوصول إلى هذه الأنفاق ودراستها تحدياً هندسياً معقداً نظراً لتضاريسها الوعرة، ومداخلها الضيقة والخطرة، والظلام الدامس داخلها. ولمواجهة هذه المعضلات، طور كونسورتيوم بحثي أوروبي، يضم مختبر روبوتات الفضاء في جامعة مالقة (UMA)، مفهوماً ثورياً للبعثات الاستكشافية نُشرت تفاصيله مؤخراً في دورية Science Robotics المرموقة.

المنهجية العلمية: استراتيجية الاستكشاف الرباعية

يرتكز المفهوم الجديد على استخدام فريق مكون من ثلاثة أنواع مختلفة من الروبوتات التي تعمل معاً بشكل مستقل تماماً لرسم خرائط لهذه المساحات الجوفية. وقد صمم الباحثون المهمة لتمضي عبر أربع مراحل دقيقة لضمان النجاح:

  • المرحلة الأولى: تبدأ الروبوتات بعملية مسح تعاوني للمنطقة المحيطة بمدخل أنبوب الحمم لتحديد نقاط الوصول الآمنة.
  • المرحلة الثانية: يتم إنزال وحدة استشعار مكعبة (Sensorized payload cube) إلى داخل الكهف لجمع القياسات الأولية وتحليل البيئة المحيطة قبل إرسال الروبوتات الأكبر.
  • المرحلة الثالثة: يقوم روبوت استكشافي (Scout rover) بعملية هبوط تقني بالحبال عبر المدخل الرأسي للوصول إلى أرضية النفق الجوفي.
  • المرحلة الرابعة: في المرحلة النهائية، يتوغل الفريق الروبوتي داخل النفق لإجراء استكشاف معمق وإنشاء خرائط ثلاثية الأبعاد (3D Mapping) عالية الدقة للتضاريس الداخلية.

وقد أثبتت التجارب الميدانية التي أُجريت في كهوف “لانزاروت” البركانية في إسبانيا خلال فبراير 2023، نجاح هذا النهج المتعدد المراحل وقدرته على التعامل مع التحديات الجيولوجية المعقدة.

الأهمية العلمية والنتائج: برهان على الجدوى التقنية

تكمن الأهمية العلمية لهذا البحث في إثبات أن الأنظمة الروبوتية التعاونية والمستقلة لم تعد مجرد فرضيات نظرية، بل هي تقنيات ناضجة تقنياً وقابلة للتطبيق. قاد المركز الألماني لأبحاث الذكاء الاصطناعي (DFKI) هذا العمل بالتعاون مع جامعة مالقة وشركة GMV الإسبانية، حيث أظهرت النتائج أن توزيع المهام بين عدة روبوتات يقلل من مخاطر فشل المهمة ويزيد من دقة البيانات المجمعة.

إن القدرة على بناء خرائط ثلاثية الأبعاد لهذه الأنفاق تتيح للعلماء تقييم سلامة الهياكل البركانية قبل إرسال البشر، كما تساعد في فهم التاريخ الجيولوجي للقمر والمريخ بشكل أعمق، حيث قد تحتوي هذه البيئات المحمية على أدلة علمية لم تلمسها العوامل السطحية منذ ملايين السنين.

الآفاق المستقبلية ودور مختبر روبوتات الفضاء

تفتح هذه الدراسة الباب على مصراعيه أمام جيل جديد من المهمات الفضائية نحو القمر والمريخ. ويؤدي مختبر روبوتات الفضاء في جامعة مالقة دوراً محورياً في هذا التحول، حيث يركز على تطوير خوارزميات متقدمة تزيد من استقلالية مركبات الاستكشاف (Rovers)، مما يتيح لها تخطيط مساراتها واتخاذ قرارات لحظية دون تدخل مباشر من الأرض، وهو أمر حيوي نظراً لتأخر الاتصالات في الفضاء العميق.

علاوة على البحث العلمي، يلتزم المختبر بإعداد الكوادر الهندسية القادمة من خلال دمج طلاب الهندسة الصناعية في مشاريع بحثية تطبيقية بالتعاون مع وكالة الفضاء الأوروبية (ESA). إن هذا التكاتف بين الأكاديميا والصناعة والمؤسسات الدولية يضمن استمرار تطوير التقنيات اللازمة لجعل الوجود البشري الدائم على الأجرام السماوية الأخرى حقيقة ملموسة في العقود القادمة.


المصدر العلمي: ScienceDaily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *