هل بلغت القلوب الحناجر في انتظار ساعة الصفر؟
تتسارع دقات الساعة في أروقة القرار السياسي والعسكري، وينحبس نَفَس الشرق الأوسط أمام مشهد ضبابي تلوح فيه نذر صدام وشيك. فالسؤال اليوم لم يعد عن مدى جاهزية الميدان، بل عن اليد التي ستمتد لتوقد الفتيل أو تطفئه. إن احتمالات المواجهة العسكرية مع إيران باتت اليوم رهينة قرار يقبع في البيت الأبيض، حيث يزن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خياراته بين دبلوماسية اللحظة الأخيرة وهدير المحركات التي لا تهدأ.
تأهب على حد النصل: الاستعدادات الإسرائيلية
أتم الجيش الإسرائيلي بناء هيكل استعداده، فلم تعد الخطط حبيسة الأدراج، بل تحولت إلى واقع ميداني ينبض بالتحرك والتحفز. تشير التقارير إلى أن المؤسسة العسكرية العبرية استكملت شقي الرحى في استراتيجيتها: الدفاعي والهجومي، بانتظار إشارة الانطلاق التي لا يملكها سوى الحليف الأمريكي.
ملامح القوة والتحركات الميدانية:
- جسور جوية مكثفة: رصدت التقارير وصول 10 طائرات نقل عسكرية أمريكية إلى القواعد الإسرائيلية مؤخراً، محملة بعتاد يؤكد الانتقال من مرحلة التخطيط إلى مرحلة الاستعداد العملياتي.
- مناورات فوق السحاب: نفذ سلاح الجو الإسرائيلي طلعات جوية شاركت فيها عشرات المقاتلات، مدعومة بطائرات التزود بالوقود، مخترقة أجواء دول مجاورة لتحاكي مسارات الهجوم المحتملة على الأهداف الإيرانية.
- تنسيق استراتيجي: يجري قادة الجيش الإسرائيلي اتصالات يومية مع نظرائهم في القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) لبلورة أهداف دقيقة وقابلة للتحقيق.
مفاتيح الحرب في عهدة "ترمب"
رغم الجاهزية العسكرية، يظل القرار السياسي هو البوصلة التي توجه هذه القوة الهائلة. الرئيس دونالد ترمب يجد نفسه اليوم في قلب عاصفة من الضغوط المتناقضة؛ فبينما يدفعه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نحو الحسم العسكري، تحاول القوى الوسيطة مد حبال الاتفاق لتجنب انفجار إقليمي لا تُحمد عقباه.
لقد عرض الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، مروحة من الخيارات العسكرية على الطاولة الرئاسية، في اجتماع ضم أركان الدفاع الأمريكي، مما يعكس جدية الموقف وخطورته. إنها مقامرة كبرى، حيث يدرك الجميع أن استهداف المنشآت النووية أو الصواريخ البالستية قد لا يعني بالضرورة تغيير سلوك النظام، بل قد يفتح أبواب الجحيم على جبهات أخرى.
المعضلة الإستراتيجية وحسابات الحقل والبيدر
تكمن المعضلة الكبرى في غياب رؤية استراتيجية واضحة لما بعد الضربة الأولى. فالحرب التي بدأت شرارتها في 28 فبراير الماضي، وشهدت فترات من الهدوء الحذر والاشتباكات المتقطعة، أثبتت أن الحلول العسكرية المحضة قد لا تقتلع جذور الأزمة.
المخاطر والتحديات القائمة:
- اتساع رقعة الصراع: ثمة تحذيرات جدية من انزلاق لبنان إلى آتون المواجهة عبر "حزب الله"، مما سيضع ضغطاً هائلاً على مخزون الصواريخ الاعتراضية ومنظومات الدفاع الجوي.
- أهداف غير كافية: يرى محللون أن تدمير القدرات العسكرية من الجو لا يضمن سقوط النظام أو رضوخه الكامل، مما يجعل العملية العسكرية وسيلة ضغط أكثر منها حلاً نهائياً.
- التوازن السياسي الداخلي: في الداخل الإسرائيلي، تبرز أصوات مثل غادي آيزنكوت، التي ترهن الدعم للتحركات العسكرية بوجود تهديدات مباشرة وفورية، بعيداً عن التجاذبات السياسية لتشكيل الحكومة.
خاتمة: بين مطرقة الحسم وسندان الحكمة
إن التاريخ لا يُكتب بمداد من وعود، بل بدماء وقرارات شجاعة تُتخذ في اللحظات الفارقة. إن المواجهة العسكرية مع إيران ليست مجرد نزهة تقنية أو استعراض للقوة، بل هي مخاض قد يولد منه نظام إقليمي جديد أو فوضى عارمة تلتهم الأخضر واليابس. يبقى الأمل معلقاً على حكمة تغلّب صوت العقل على قرع الطبول، فالحروب تبدأ برغبة، لكنها تنتهي بضرورة، وبين البداية والنهاية تضيع أقدار وتتشكل خرائط.



اترك تعليقاً