صرخة البوق في رحاب القداسة
هل يدرك العالم أن صوت «الشوفار» الذي تردد صداه مؤخراً عند أسوار باب الرحمة يمثل إعلاناً صريحاً عن مرحلة جديدة من الصراع تستهدف اقتطاع جزء أصيل من هوية المسجد الأقصى المبارك؟ إن هذا النفخ في البوق، الذي جرى فوق تراب مقبرة باب الرحمة شرقي المسجد، يتجاوز كونه طقساً تعبدياً، ليصبح أداة سياسية حادة تهدف إلى نحر الواقع التاريخي والقانوني لمدينة القدس.
طقوس «السليخوت» وتوظيف الأساطير
شهدت الأيام الماضية تحركات مكثفة قادها ناشطون متطرفون، على رأسهم المدعو «أوري أوهايون»، الذي لم يكتفِ بنشر مقاطع توثق تدنيس المنطقة، بل دعا صراحة إلى إحياء ما يسمى صلوات «السليخوت» عند الجدار الشرقي.
تستند هذه الدعوات إلى رؤية تلمودية ترى في باب الرحمة بوابة لعودة ما يسمونه «الشيخينة» أو الحضور الإلهي. هذا المصطلح، في جوهره الأدبي، يشبه محاولة استحضار طيف تاريخي لفرض هيمنة مادية على مكان لا يقبل القسمة ولا الشراكة.
أبرز ملامح التصعيد الأخير:
- الاستهداف الزماني: التجمع في منتصف الليل والانطلاق في مسيرات نحو الجدار الشرقي.
- الاستهداف المكاني: التركيز على الجدار الشرقي بوصفه «أقدم الجدران وأكثرها إهمالاً» وفق زعمهم، لتمهيد الطريق نحو واقع جديد.
- الرمزية الدينية: استخدام «الشوفار» (البوق المصنوع من قرن الكبش) كرمز للسيادة وإعلان الحضور في قلب المنطقة المحاذية للأقصى.
الأرقام تتحدث: حشود تفرض الحصار
لم تكن واقعة باب الرحمة حدثاً معزولاً، بل جاءت ضمن موجة عارمة من التحشيد. فقد كشفت التقارير الميدانية والإحصاءات الرسمية عن حجم الهجمة الممنهجة:
- 50,000 مصلٍ مستوطن: احتشدوا في ساحة البراق (الحائط الغربي للمسجد الأقصى) لأداء مراسم السليخوت المركزية.
- توقيت حرج: تأتي هذه الحشود في سياق محاولات مستمرة لتغيير الوضع القائم (Status Quo) الذي يحكم إدارة المقدسات منذ عقود.
إن هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات عددية، بل هي ضغوط بشرية هائلة تُمارس على جغرافيا القدس، تشبه الأمواج التي تضرب الصخور بغية تفتيتها وتغيير معالم الشاطئ التاريخي للمدينة.
صدى الألم في الوجدان الرقمي
ضجت منصات التواصل الاجتماعي بمشاعر الغضب والقهر، حيث وصف المدونون المشاهد بأنها «تعتصر القلب حزناً». إن هذا التفاعل الشعبي يعكس الحقيقة الراسخة بأن المسجد الأقصى ليس مجرد بناء من حجر، بل هو شغاف القلب للأمة الإسلامية.
حذر الناشطون من أن تحويل الطقوس الدينية إلى «خطوات متدرجة» يهدف إلى تكريس وقائع جديدة، حيث يبدأ الأمر بنفخة بوق، وينتهي بمحاولة انتزاع السيادة على الأرض والمقدسات. إن التهاون في رصد هذه الانتهاكات عند باب الرحمة قد يمهد لتوسيع نطاق الممارسات التلمودية داخل ساحات الأقصى نفسها.
خاتمة: القدس ميزان الثبات
يبقى المسجد الأقصى، بساحاته ومصلياته وأسواره، هو الميزان الذي توزن به كرامة الأمة وثباتها. إن ما يحدث عند باب الرحمة من نفخ في الأبواق واستحضار للأساطير، هو اختبار صارم لإرادة الحفاظ على التاريخ من التزوير. فالحقائق التاريخية لا تمحوها أصوات الأبواق، وقداستنا المتجذرة في الأرض أعمق من أن تطالها محاولات التهويد العابرة، لكنها تستصرخ فينا وعياً يقظاً وحراكاً لا يهدأ لحماية أولى القبلتين.



اترك تعليقاً