نزيف المليارات: قراءة في تصدعات اقتصاد إسرائيل تحت وطأة الحروب المستنزفة
هل تستطيع المدافع أن تبني وطناً، أم أنها تأكل من جوف الأرض التي تقف عليها؟ هذا السؤال لم يعد فلسفياً في أروقة السياسة، بل صار واقعاً مريراً يواجهه اقتصاد إسرائيل اليوم. فبينما تنشغل الآلة العسكرية في ميادين القتال، ثمة معركة أخرى صامتة تدور رحاها في الموازنات العامة، والأسواق، وجيوب المستهلكين، حيث الأرقام لا تجامل أحداً، والحقائق الاقتصادية تفرض سطوتها بصرامة.
فاتورة الدمار: أرقام تزلزل الأركان
لقد تجاوز الإنفاق العسكري حدود المنطق المالي، ليتحول إلى ثقب أسود يبتلع مقدرات الدولة. إن الأرقام الواردة في التقارير الأخيرة ترسم صورة قاتمة لواقع مثقل بالأعباء:
- كلفة الحروب المباشرة: أنفقت الحكومة ما يتجاوز 100 مليار دولار، وهو رقم يمثل عبئاً هائلاً على كاهل الخزانة.
- خسائر الناتج المحلي: خسر الاقتصاد قرابة 57 مليار دولار من ناتجه المحلي الإجمالي، وهو ما يشبه ذبول ثمار شجرة كانت تظن أنها منيعة.
- انفجار الميزانية العسكرية: قفزت الميزانية العسكرية إلى 51 مليار دولار، بزيادة مرعبة بلغت 160% مقارنة بالعام الماضي.
ديون تثقل الكاهل وتصنيفات تتهاوى
إن الاقتصاد القوي يشبه البنيان المرصوص، لكن هذا البنيان بدأ يشهد تصدعات في أساساته الائتمانية. لم يعد الدين العام مجرد رقم عابر، بل تحول إلى قيد يلتف حول عنق النمو المستقبلي:
صعود الدين العام
ارتفع الدين العام من 290 مليار دولار (60% من الناتج المحلي) في منتصف 2023، ليصل إلى 370 مليار دولار، مع توقعات مخيفة ببلوغه 400 مليار دولار بنهاية العام، ليتجاوز حاجز 70% من حجم الاقتصاد الكلي.
تصنيفات في مهب الريح
توالت الضربات من وكالات التصنيف العالمية مثل "فيتش" و"موديز" و"ستاندرد آند بورز"، التي خفضت تصنيف إسرائيل الائتماني. هذا التراجع ليس مجرد تقييم تقني، بل هو رسالة طرد للمستثمرين الأجانب، وإعلان عن اهتزاز الثقة في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.
التصدع الاجتماعي والهروب من الواقع
الحرب لا تقتل الأجساد فقط، بل تقتل الاستقرار المجتمعي وتدفع العقول للهجرة. لقد أدى استدعاء 300 ألف جندي احتياط (6% من القوة العاملة) إلى شلل في عصب الشركات الصغيرة والمتوسطة.
أما الظاهرة الأكثر إثارة للقلق، فهي "الهجرة العكسية"؛ حيث غادر البلاد أكثر من ربع مليون إسرائيلي، ولم يعد منهم سوى نزير يسير. هذه الهجرة لا تمثل أرقاماً فحسب، بل هي نزيف للكفاءات، والأطباء، ومهندسي التكنولوجيا الذين يمثلون المحرك الفعلي للنمو.
نموذج "إسبرطة" والمقامرة بالمستقبل
يتحدث رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن تحول إسرائيل إلى نموذج "إسبرطة"، تلك الدولة التي ترهن وجودها كله للقوة العسكرية. لكن هذا النموذج يغفل حقيقة أن القوة العسكرية بلا قاعدة اقتصادية صلبة هي انتحار بطيء.
تتجه الحكومة لفرض ضرائب قاسية، ورفع ضريبة القيمة المضافة إلى 18%، وتقليص موازنات الصحة والتعليم، مما يعني أن المواطن العادي هو من سيدفع ثمن هذه المقامرات. ومع احتمال اتساع العقوبات الدولية لتشمل الجهاز المصرفي، يبرز الحديث عن العملات المشفرة كطوق نجاة يائس للالتفاف على العزلة الدولية.
خاتمة: حين تصمت المدافع وتبقى الديون
إن القوة التي تعتمد على الاستنزاف هي قوة هشة، والاقتصاد الذي يقتات على المساعدات والديون لا يملك قراره. إن اقتصاد إسرائيل يقف اليوم على مفترق طرق؛ فإما الاعتراف بأن كلفة الحرب قد تجاوزت حدود القدرة على التحمل، أو المضي قدماً في نفق مظلم حيث لا تنفع التقنيات العسكرية في سد جوع الموازنات أو إيقاف نزيف الثقة. ففي نهاية المطاف، التاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تسقط فقط في سوح القتال، بل تسقط حين تعجز عن دفع ثمن حروبها.



اترك تعليقاً