نزيف الهدنة في غزة: رصاص الاحتلال يغتال براءة الطفولة ويخرق مواثيق السلام

نزيف الهدنة في غزة: رصاص الاحتلال يغتال براءة الطفولة ويخرق مواثيق السلام

هل يدرك العالم أن صمت المدافع في غزة لم يكن إلا فاصلاً قصيراً لاسترداد الأنفاس قبل أن تعاود يد الغدر العبث بأرواح الصغار؟

في غزة، حيث تختلط رائحة البحر بدخان البارود، لا يزال الموت يتربص خلف غيمة عابرة أو في أزيز طائرة مسيرة. إن ما يسمى بـ "اتفاق وقف إطلاق النار" الساري منذ العاشر من أكتوبر 2025، يبدو في واقع الأمر كخيط حرير واهن أمام عواصف الانتهاكات التي لا تهدأ، لتظل خروقات الاحتلال في غزة جرحاً مفتوحاً ينزف من خاصرة الإنسانية.

قنص البراءة في دير البلح وخان يونس

شهدت مدينة دير البلح، وتحديداً في منطقة التحلية، فصلاً جديداً من فصول الاستهداف الممنهج؛ حيث انقضت طائرة مسيرة من نوع "كواد كابتر" (Quadcopter) -وهي آلة صماء مبرمجة على القتل- لتصيب فتى في السادسة عشرة من عمره بجروح بليغة. نُقل الفتى إلى مستشفى شهداء الأقصى وهو يصارع الرمق الأخير، في مشهد يجسد اغتيال المستقبل في مهد الهدنة.

ولم يكن الجنوب بمنأى عن هذا الصلف؛ ففي مواصي خان يونس، حيث يلوذ الناس بخيامهم بعيداً عن مناطق التماس، أصيبت طفلة بنيران قوات الاحتلال. هذه الإصابات لم تكن في قلب معارك ضارية، بل وقعت في مناطق خارج سيطرة جيش الاحتلال، الذي يبسط مخالبه اليوم على أكثر من نصف مساحة القطاع المنكوب.

لغة الأرقام: حين تتحدث الفجيعة

إن الأرقام في غزة ليست مجرد إحصائيات جافة، بل هي أرواح أُزهقت وأحلام وُئدت. يعكس التقرير الصادر عن المكتب الإعلامي الحكومي بغزة حقائق صادمة حول خروقات الاحتلال في غزة منذ بدء سريان الاتفاق:

  • 2400 خرق: تنوعت بين القتل المباشر، والاعتقال التعسفي، وتشديد الحصار، وسياسة التجويع الممنهجة.
  • 773 شهيداً: ارتقوا خلال فترة الهدنة المزعومة، ليكونوا شهوداً على زيف الوعود.
  • 2171 جريحاً: انضموا إلى قوافل المتألمين الذين تضيق بهم مشافي القطاع المتهالكة.

إرث الدمار ومخاض البقاء

يأتي هذا النزيف المستمر بعد عامين من حرب إبادة جماعية انطلقت شرارتها في الثامن من أكتوبر 2023. تلك الحرب التي لم تترك حجراً على حجر، محولةً العمران إلى ركام، والذكريات إلى رماد. إن حجم الكارثة يفوق الوصف، وتختصره الحقائق التالية:

  • 72,000 شهيد: حصيلة عامين من النار والحديد، سقطوا تحت وطأة القصف والدمار.
  • 172,000 جريح: يعانون في ظل منظومة صحية منهكة تفتقر لأدنى المقومات.
  • 90% دمار شامل: طال البنى التحتية، من مدارس ومساجد ومنازل، ليتحول القطاع إلى مساحة من الوجع الممتد.

خاتمة: ميزان العدالة الغائب

إن ما يحدث في غزة اليوم هو اختبار أخلاقي للضمير العالمي؛ فبينما تُكتب الاتفاقيات بمداد الدبلوماسية، تُوقع خروقات الاحتلال في غزة بدم الأطفال والفتية. إن العدالة التي تكتفي بالمراقبة هي شريكة في الجرم، والهدنة التي لا تحمي الصغار في خيامهم هي مجرد وهم يطيل أمد العذاب. ستبقى غزة، رغم الجراح والدمار، عصية على الانكسار، شاهدة بدمائها على عصرٍ ضل فيه ميزان الحق، واستأسدت فيه القوة على البراءة.


المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *