# نعمة بلوغ رمضان: رحلة الأرواح في رحاب مواسم الخيرات
مقدمة: الزمان وعاء العبادة وقيمة العمر
إن الزمان هو رأس مال الإنسان، وهو الوعاء الذي يودع فيه المرء أعماله، فكل دقيقة تمر هي جزء من عمره لا يعود، وكل ساعة تنقضي هي تقريب له من أجله. ومن هنا، فإن العاقل هو من يدرك قيمة الوقت، والمؤمن هو من يستشعر فضل الأيام التي يخصها الخالق بمزيد من التشريف والتكريم. إن توالي الأيام والشهور ليس مجرد حركة فلكية، بل هو فرص متجددة يمنحها الكريم لعباده ليصححوا المسار، ويجددوا العهد، ويغسلوا ما علق بقلوبهم من كدر الدنيا.
إننا حين نتحدث عن مواسم الطاعات، فإننا نتحدث عن محطات استراتيجية في حياة المسلم، محطات يتوقف فيها ليتزود بالوقود الإيماني الذي يعينه على مواصلة المسير في دروب الحياة الوعرة. ومن أعظم هذه المحطات على الإطلاق، تلك الأيام المباركة التي تطل علينا بظلالها الوارفة، حاملة معها تباشير الرحمة والمغفرة والعتق من النيران.
بلوغ رمضان: اصطفاء رباني ومنحة إلهية
فإن من أعظم النعم التي يُنعم الله بها على عباده، أن يبلغهم أيام الطاعات، ومواسم الخيرات. إن بلوغ شهر رمضان ليس أمراً عادياً أو تحصيل حاصل، بل هو اصطفاء رباني ومنحة إلهية تستوجب الشكر العميق. فكم من قريب وصديق كان معنا في العام الماضي، يرجو بلوغ هذا الشهر، ويخطط لصيامه وقيامه، ولكن هادم اللذات عاجله، وحالت بينه وبين أمانيه المنون.
إن بقاءك على قيد الحياة حتى تدرك هذا الموسم يعني أن الله قد منحك فرصة جديدة للحياة الحقيقية، فرصة لترميم ما انكسر من علاقتك مع خالقك، وفرصة لزيادة رصيدك من الحسنات الذي قد يكون قد نضب بفعل الغفلة. إن إدراك رمضان هو بمثابة عمر جديد يُكتب للمؤمن، فكل تسبيحة فيه تعدل الكثير، وكل سجدة ترفعك درجات، وكل دمعة ندم تسقط من عينك قد تكون سبباً في تغيير مجرى حياتك بالكامل.
مواسم الخيرات: سوق ربانية قائمة
حين يحل علينا رمضان، تفتح أبواب السماء، وتتنزل الرحمات، وتصبح الأجواء مهيأة تماماً للارتقاء الروحي. إنها مواسم الخيرات التي يتنافس فيها المتنافسون. تخيل أنك تقف أمام سوق عظيمة، الأرباح فيها مضمونة، والبضاعة فيها هي الجنة، والثمن هو الإخلاص والعمل الصالح. هل يعقل لمن أدرك هذه السوق أن يمر بها مرور الكرام دون أن يبتاع منها ما ينجيه في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون؟
في هذه المواسم، تتهذب النفوس، وتنكبح جماح الشهوات، ويصبح القلب أكثر رقة وتقبلاً للمواعظ. إنها فترة تدريبية مكثفة، يتعلم فيها المسلم كيف يقود نفسه بدلاً من أن تقوده، وكيف يسمو بروحه فوق متطلبات الجسد الفانية. إن الخيرات في هذا الشهر ليست قاصرة على الصيام فحسب، بل هي منظومة متكاملة من البر، تبدأ من الكلمة الطيبة، وتمر بإطعام الطعام، وتصل إلى قمة الخشوع في آناء الليل وأطراف النهار.
رحلة التزود من الحسنات: كيف نملأ الصحائف؟
الغرض الأساسي من بلوغ هذه المواسم هو ليتزودوا من الحسنات. إن المؤمن في رمضان يشبه المسافر الذي وجد واحة غناء في وسط صحراء قاحلة، فهو لا يكتفي بالشرب منها، بل يملأ أوعيته بكل ما يستطيع حمله لمواصلة الرحلة. إن الحسنات في رمضان تضاعف، والجهد اليسير يثمر ثماراً عظيمة.
1. الاستثمار في الفرائض: وهي الأصل، فالمحافظة على الصلوات في أوقاتها بخشوع تام هي أولى خطوات التزود.
2. الإكثار من النوافل: فبعد الفرائض تأتي السنن الرواتب وقيام الليل، تلك الخلوة التي يجد فيها المحب راحة قلبه.
3. الذكر المطلق: أن يظل اللسان رطباً بذكر الله، في الغدو والرواح، وفي كل حال، ليكون القلب دائماً معلقاً بالملكوت الأعلى.
4. بذل المعروف: فالصدقة في مواسم الخير تطفئ الخطايا كما يطفئ الماء النار، وتدخل السرور على قلوب المحتاجين.
إن التزود من الحسنات يحتاج إلى همة عالية، ونية صادقة، وتخطيط دقيق، حتى لا تضيع الأوقات في توافه الأمور أو في المباحات التي لا تسمن ولا تغني من جوع إيماني.
محطة الاستغفار: تطهير القلوب من السيئات
ومن مقاصد بلوغ هذه الأيام العظيمة، أن يستغفروا عن ما بدر منهم من الذنوب والسيئات. لا يوجد إنسان معصوم من الخطأ، فكلنا ذوو خطأ، وكلنا نذنب في حق أنفسنا وفي حق خالقنا. ولكن الفرق بين مؤمن وآخر هو في سرعة الإنابة والرجوع.
رمضان هو الموسم الأنسب لغسل القلوب. إن تراكم الذنوب يشكل راناً على القلب يمنعه من تذوق حلاوة الإيمان، والاستغفار هو الممحاة التي تزيل هذا الران. حين يبلغك الله رمضان، فهو يدعوك دعوة صريحة لتضع أحمالك الثقيلة بين يديه، لتبثه شكواك، ولتعترف بضعفك وتقصيرك. إن لحظة صدق واحدة، يتبعها استغفار نابع من أعماق الفؤاد، كفيلة بأن تجعل العبد يخرج من هذا الشهر كيوم ولدته أمه، نقياً، طاهراً، مقبلاً على الله بقلب سليم.
التعرض للنفحات: وقفة مع السعادة الأبدية
يقول العارفون إن لله في أيام الدهر نفحات، فالسعيد من تعرض لها. ويتعرضوا للنفحات فلعلها تصيبهم نفحة فلا يشقوا بعدها أبدأ. هذه النفحات هي تجليات إلهية، وعطايا ربانية، تنزل على القلوب المستعدة والنفوس المتشوقة.
التعرض للنفحات يتطلب يقظة قلبية، فلا يمكن لمن غرق في النوم أو انشغل باللهو أن يصيب هذه النفحة. إنها تأتي في سجدة طويلة في جوف الليل، أو في دمعة خشية عند سماع آية، أو في دعوة صادقة بظهر الغيب لأخ مؤمن. إن النفحة الإلهية إذا أصابت العبد، قلبت موازين حياته، فاستحال ضيقه سعة، وحزنه فرحاً، وبعده قرباً. إنها السعادة التي لا يشقى صاحبها أبداً، لأنها تربط القلب بمصدر الأمان المطلق، وتجعله يعيش في جنة الدنيا قبل جنة الآخرة.
الخاتمة: نداء للمشتاقين
يا من أدركت رمضان، اعلم أنك في نعمة يحسدك عليها من تحت التراب. إن هذه الأيام معدودات، تمر مر السحاب، فاجعل منها نقطة تحول في حياتك. لا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء، بل اجعل من رمضان مدرسة للتغيير، ومنطلقاً للثبات على الطاعة.
تذكر دائماً أن العبرة بالخواتيم، وأن المجتهد هو من يثبت حتى اللحظات الأخيرة. فتعرض لنفحات ربك، وأكثر من الاستغفار، وتزود من الحسنات، لعل الله أن يكتبك في هذا الشهر من السعداء، ومن المقبولين، ومن الذين شملتهم الرحمة والمغفرة والعتق من النيران. فما أعظمها من نعمة، وما أجله من فضل، أن يبلغنا الله مواسم الخير، فالحمد لله الذي بلغنا رمضان، ونسأله التمام والقبول.

اترك تعليقاً