نهاية حقبة “يونامي” في العراق: دلالات رحيل البعثة الأممية بعد 22 عاماً من العمل السياسي

نهاية حقبة “يونامي” في العراق: دلالات رحيل البعثة الأممية بعد 22 عاماً من العمل السياسي

مع إسدال الستار على العام الحالي، يطوي العراق صفحة طويلة ومفصلية من تاريخه الحديث برحيل بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي). هذا الحدث ليس مجرد إجراء إداري، بل هو إعلان رمزي عن دخول البلاد مرحلة جديدة من السيادة والاستقرار النسبي، بعد أكثر من عقدين على تأسيس البعثة في أعقاب التغيير السياسي عام 2003.

محطة الختام: ترتيبات الانسحاب النهائي

أعلنت الحكومة العراقية رسمياً عن بدء الخطوات التنفيذية لإغلاق ملف "يونامي". وفي هذا الصدد، تم تخويل وزير الخارجية العراقي، فؤاد حسين، للتوقيع على مذكرة تفاهم شاملة ترسم خارطة طريق لإنهاء التواجد الميداني للبعثة. وتتضمن هذه الخطة:

  • الترتيبات الأمنية الانتقالية: لضمان انتقال سلس للمهام والمسؤوليات.
  • تسليم المقرات: إعادة المجمع الرئيسي للبعثة في بغداد وكافة متعلقاته التشغيلية إلى السلطات العراقية.
  • الجدول الزمني: الالتزام بقرار مجلس الأمن الدولي الذي حدد نهاية عام 2025 كحد أقصى لتصفية كافة أعمال البعثة.

رحلة الـ 22 عاماً: من التأسيس إلى التمكين

تأسست "يونامي" بموجب القرار الأممي رقم 1500 في عام 2003، بهدف تقديم المشورة والدعم للعراق في خضم تحولات سياسية كبرى. وعلى مدار سنوات عملها، كانت البعثة شريكاً أساسياً في عدة ملفات، منها:

  1. دعم العملية الديمقراطية: الإشراف الفني وتقديم المشورة في تنظيم الانتخابات البرلمانية والمحلية.
  2. المصالحة الوطنية: تيسير الحوار بين القوى السياسية المختلفة لتقريب وجهات النظر.
  3. الإصلاح المؤسسي: تقديم الخبرات اللازمة لإصلاح القطاع الأمني وتطوير مؤسسات الدولة.
  4. حقوق الإنسان: مراقبة وتوثيق حالة حقوق الإنسان وتقديم التوصيات اللازمة لتحسينها.

تضحيات وتحديات في الذاكرة العراقية

لم تكن مسيرة "يونامي" محفوفة بالورود، بل واجهت تحديات أمنية قاسية عكست حجم الاضطرابات التي مر بها العراق. ولعل الحادثة الأكثر مأساوية هي تفجير مقر الأمم المتحدة في فندق القناة ببغداد في أغسطس 2003، والذي أدى إلى استشهاد الممثل الخاص للأمين العام، "سيرجيو فييرا دي ميللو"، و21 من زملائه. تلك الحادثة ظلت علامة فارقة في تاريخ العمل الإنساني والسياسي الدولي في العراق.

لماذا يرحل "السياسيون" ويبقى "الخبراء"؟

جاء طلب الحكومة العراقية بإنهاء مهمة "يونامي" انطلاقاً من رؤية مفادها أن العراق عام 2024 يختلف جذرياً عما كان عليه في السابق. فبعد هزيمة تنظيم "داعش" واستعادة السيطرة على كامل الأراضي، يرى العراق أن المبررات السياسية لوجود بعثة أممية خاصة قد انتفت.

ومع ذلك، فإن رحيل "يونامي" لا يعني قطع العلاقة مع المنظمة الدولية، بل هو تحول في شكل العلاقة من "إدارة الأزمات" إلى "شراكة التنمية". وسيستمر التعاون من خلال:

  • وكالات الأمم المتحدة المتخصصة: مثل اليونسكو، اليونيسف، ومنظمة الصحة العالمية.
  • برامج التنمية المستدامة: التركيز على ملفات التغير المناخي، الاقتصاد، والتعليم.
  • تعزيز حقوق الإنسان: استمرار الحوار الفني مع المنظمات الدولية لضمان الالتزام بالمعايير العالمية.

رسالة العراق للعالم

يمثل رحيل البعثة الأممية رسالة ثقة يوجهها العراق للمجتمع الدولي، مؤكداً قدرة مؤسساته الوطنية على قيادة المرحلة المقبلة دون الحاجة لوساطة سياسية دولية دائمة. إنها خطوة نحو استعادة كاملة للدور الإقليمي والدولي للعراق كدولة مستقرة وذات سيادة، تتطلع لبناء مستقبل مشرق بعيداً عن وصاية الأزمات.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *