نيويورك تايمز في ذكراها الـ 175: رحلة “السيدة الرمادية” من السنت الواحد إلى عرش الصحافة العالمية

نيويورك تايمز في ذكراها الـ 175: رحلة “السيدة الرمادية” من السنت الواحد إلى عرش الصحافة العالمية

تُتمّ صحيفة "نيويورك تايمز" (The New York Times) هذا العام 175 عاماً من الحضور الطاغي في المشهد الإعلامي العالمي. لم تكن هذه المسيرة مجرد رصد للأخبار، بل كانت تدويناً حياً لتاريخ البشرية، وتحولاً جذرياً في مفهوم العمل الصحفي. ومن داخل متحف الصحيفة الذي يحفظ إرثها العريق، يستعرض "ديفيد دنلاب"، المسؤول عن المقتنيات التاريخية، تفاصيل "شهادة ميلاد" هذه الإمبراطورية التي بدأت متواضعة لتصبح لاحقاً المرجع الأول لصناع القرار حول العالم.

البداية المتواضعة: صحيفة السنت الواحد

في 30 أغسطس/آب 1851، صدر إعلان اكتتاب عن شركة "ريموند وجونز وشركائهما"، ليعلن ولادة ما كان يُعرف حينها بـ "نيويورك ديلي تايمز". كانت الشراكة تجمع بين عقلين طموحين:

  • هنري غارفيس ريموند: المحرر المؤسس والرؤية الصحفية.
  • جورج جونز: الناشر المؤسس والعقل الإداري.

استُهلت النسخة الأولى بعبارة بسيطة ولكنها واعدة: "نيويورك ديلي تايمز.. صحيفة يومية صباحية ومسائية جديدة.. السعر سنت واحد". ومنذ ذلك الحين، شهدت الصحيفة تحولات جوهرية؛ ففي عام 1857 تغير اسمها إلى "نيويورك تايمز" بعد إلغاء الطبعة المسائية، وفي عام 1896 حُذفت الفاصلة من اسمها الرسمي، وهو العام نفسه الذي انتقلت فيه السيطرة إلى عائلة "أدولف س. أوش"، التي لا تزال تدير هذا الصرح حتى يومنا هذا.

الوعد الصحفي: تغطية شاملة وعميقة

في مقاله الاحتفالي، يشير دنلاب إلى أن الكثير قد تغير، لكن الجوهر الذي وضعه "ريموند" لا يزال نابضاً. لقد وعد ريموند قراءه في منتصف القرن التاسع عشر بتقديم محتوى يتجاوز الحدود الجغرافية، شمل:

  1. أخبار الساعة: تغطية فورية للأحداث المحلية والدولية.
  2. شبكة مراسلين عالمية: تقارير من أوروبا، المكسيك، أمريكا الجنوبية، وكافة أنحاء الولايات المتحدة.
  3. العمق السياسي: تغطية وافية لجلسات الكونغرس والمجالس التشريعية.
  4. المحتوى الثقافي: مراجعات أدبية وفنية (موسيقى، دراما، رسم) يُعدها خبراء متخصصون.
  5. منبر الرأي: مقالات تحليلية تتناول القضايا المثيرة للاهتمام بجرأة وموضوعية.

الحياد الحذر ومعضلة العبودية

لم تكن مسيرة "نيويورك تايمز" خالية من الجدل السياسي، خاصة في سنواتها الأولى التي سبقت الحرب الأهلية الأمريكية. اتسم نهج ريموند بما يمكن تسميته بـ "الحياد الحذر" تجاه قضية العبودية في الجنوب. صرح ريموند حينها بأن صحيفته لن تتدخل في "أعراف أو مؤسسات" المناطق الأخرى، في محاولة لتجنب الصدام المباشر والحفاظ على وحدة الصف.

كان ريموند سياسياً بارزاً بقدر ما كان صحفياً، حيث شارك في تأسيس الحزب الجمهوري عام 1856. وبالنسبة له، لم يكن إلغاء العبودية في البداية قضية أخلاقية محضة، بل كان يراه "وسيلة لغاية سياسية" أسمى، وهي الحفاظ على "الاتحاد" الأمريكي وتقويته.

التحول التاريخي: الانتصار للقيم الإنسانية

مع تطور الأحداث السياسية واقتناع ريموند بأن إنهاء نظام العبودية هو السبيل الوحيد لضمان استقرار الاتحاد، تحولت "نيويورك تايمز" إلى نصير قوي لقضية التحرير.

وعندما تم التصديق على التعديل الثالث عشر للدستور الأمريكي في 19 ديسمبر/كانون الأول 1865، والذي قضى نهائياً على العبودية، عبّر ريموند عن مشاعر جياشة في افتتاحية تاريخية كتب فيها:

"لقد انتهت عبودية البشر داخل ولاية القضاء الأمريكي والحمد لله.. يا له من استهلال نبيل لموسم عيد الميلاد.. سلامٌ على الأرض، وبالناس المسرة. لقد أُنجز الأمر.. فلنبتهج".

اليوم، وبعد مرور 175 عاماً، تظل "نيويورك تايمز" نموذجاً للمؤسسة التي استطاعت أن توازن بين إرثها التاريخي وبين متطلبات العصر الرقمي، محافظةً على شعارها الشهير: "كل الأخبار التي تستحق النشر".

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *