هدي النبي في رمضان: كيف كان يقضي خير الخلق خير الشهور؟

# هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان: رحلة إيمانية في رحاب السيرة

الحمد لله رب العالمين، الذي جعل رمضان ميدانًا للمتسابقين، ومحطةً للمتزودين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، إمام الصائمين، وقدوة القائمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

بينما نتفيأ ظلال الرحمة، ونستنشق عبير المغفرة في هذا الشهر المبارك، تتوق النفوس المؤمنة للعودة إلى ذلك الزمن الأجمل، زمن النبوة الطاهر، حيث كانت أنفاس النبي صلى الله عليه وسلم تملأ فضاء المدينة المنورة طاعةً وتبتلاً. ما أجمل أن نقرأ سوياً صفحات من حياة الحبيب المصطفى في رمضان، لنستلهم من هديه نوراً يضيء لنا دروب العبادة، ونقف على تفاصيل يومه المبارك الذي كان يجسد أرقى معاني العبودية لله عز وجل.

بشائر الخير: كيف استقبل النبي صلى الله عليه وسلم رمضان؟

كان النبي صلى الله عليه وسلم يستقبل رمضان بقلبٍ مفعم بالبشر، ونفسٍ تواقة لفضل الله، وكان يحرص على غرس عظمة هذا الشهر في نفوس أصحابه، مبيناً لهم ما يفتح الله فيه من أبواب الرحمات. فكان صلى الله عليه وسلم يحث على اغتنام رمضان فيقول: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين». إنها دعوة نبوية صريحة لكل مسلم ليدرك أن البيئة الإيمانية في رمضان مهيأة تماماً للإقبال على الله، حيث تصفو الأرواح وتنقاد القلوب للخير.

ولم يكتفِ النبي صلى الله عليه وسلم بتبيان فضل الزمان، بل ركز على أهمية النية والإخلاص، فكان يحث على الصيام بقوله: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». فليس الصيام مجرد إمساك عن الطعام، بل هو إيمان عميق بوعد الله، واحتساب للأجر عنده وحده.

وقد صام النبي صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات، حيث فرض صيام رمضان في السنة الثانية من الهجرة، وتوفي صلى الله عليه وسلم في ربيع الثاني في السنة الحادية عشرة فلم يصم رمضان تلك السنة، وفي كل عام من تلك الأعوام، كان يقدم للأمة نموذجاً عملياً في كيفية الجمع بين العبادة، والقيادة، والتعليم، والجهاد.

مائدة النبوة: هدي المصطفى في السحور والإفطار

لم تكن عادات النبي صلى الله عليه وسلم في طعامه وشرابه في رمضان مجرد أفعال عادية، بل كانت سنناً تحمل في طياتها حكماً صحية وتربوية. فقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يعجل الفطور، وكان يقول: «لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر». وفي هذا إشارة إلى التيسير على النفس المسلمة وعدم التكلف.

أما السحور، فقد كان يراه بركةً لا ينبغي تفويتها، فكان يحث عليه ويقول: «تسحروا فإن في السحور بركة». وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تأخير السحور إلى قبيل الفجر بلحظات، ليقوي الجسد على الصيام ويقرب العبد من وقت الصلاة. وقد وصف الصحابي الجليل زيد بن ثابت رضي الله عنه قدر هذا التأخير فقال: «تسحرنا مع رسول الله ثم قمنا إلى الصلاة، قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: خمسين آية».

وعندما يحين وقت الإفطار، كان النبي صلى الله عليه وسلم يبتدئ بما يمد الجسد بالطاقة والسكينة، كما وصف خادمه الجليل أنس بن مالك رضي الله عنه حيث قال: «كان رسول الله يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات، فإن لم تكن حسا حسوات من ماء». هكذا كانت بساطة النبوة؛ تمرات قليلة أو جرعات من ماء، تكسر حدة الجوع وتفتح القلب لمناجاة الرب في صلاة المغرب.

محراب النور: صلاة النبي وقيامه في ليالي رمضان

كان لليل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم شأن عظيم، وفي رمضان يزداد هذا الشأن جلالاً وجمالاً. فقد كان صلى الله عليه وسلم يحث على القيام في رمضان، فقال: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه».

وإذا تأملنا في كيفية صلاته، نجدها صلاةً تمتاز بالطول والحسن والخشوع، لا مجرد ركعات معدودة. سأل التابعي الجليل أبو سلمة بن عبد الرحمن عائشة رضي الله عنها: «كيف كانت صلاة رسول الله في رمضان؟ فقالت: ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً، فقلت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ قال: يا عائشة، «إن عيني تنامان ولا ينام قلبي».

هذه الصلاة كانت هي القرة لعين النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يقف بين يدي ربه، يرتل الآيات، ويتدبر المعاني، في ليل رمضان الهادئ، بعيداً عن ضجيج الدنيا.

مدرسة الجود ومدارسة القرآن

كان رمضان بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم هو شهر القرآن بامتياز. ففي كل ليلة، كان هناك لقاء مهيب يجمع بين سيد الملائكة وسيد البشر. يصف هذا الخلق النبوي الصحابي الفقيه ابن عباس فيقول: «كان رسول الله أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة».

إن اقتران مدارسة القرآن بالجود في هذا الحديث يعلمنا أن القرآن الكريم إذا لامس القلوب، فجر فيها ينابيع الكرم والسخاء. فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، مواسياً للفقراء، ومعيناً للمحتاجين، ومسارعاً في كل أبواب البر.

العشر الأواخر: ذروة الاجتهاد والاعتكاف

إذا دخلت العشر الأواخر من رمضان، انتقل حال النبي صلى الله عليه وسلم إلى درجة قصوى من العبادة والتبتل، ففيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر. تصف عائشة رضي الله عنها هذا الاجتهاد فتقول: «كان النبي إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله». وكلمة “شد مئزره” كناية عن تفرغه التام للعبادة واعتزاله الدنيا.

وكان صلى الله عليه وسلم يتحرى فيها ليلة القدر، ويقول: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان». ولهذا كان يعتكف في المسجد هذه العشر، ليتفرغ تماماً لمناجاة ربه. فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان». واستمر على هذا الهدي حتى قبضه الله، بل إنه في العام الذي توفي فيه، زاد في الاجتهاد، فقالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً».

وفي هذه العشر، كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الاجتهاد الشخصي وحث الأهل على الطاعة، ليكون البيت النبوي كله في حالة استنفار إيماني، طلباً لمرضاة الله وعتقه من النار.

صلاة التراويح: رحمة النبي بأمته

من المهم أن نعلم أن قيام الليل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن دائماً في جماعة واحدة راتبة كما نراه اليوم، بل كان الصحابة يصلون فرادى. وقد صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم بعض ليالٍ ثم ترك ذلك شفقة بهم. تبين ذلك عائشة رضي الله عنها فتقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناسٌ، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: «رأيت الذي صنعتم فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا خشية أن يُفرض عليكم». قالت: وذلك في رمضان.

هذا الموقف يبرز كمال عطفه صلى الله عليه وسلم على أمته، فخشي أن تتحول صلاة القيام إلى فريضة تشق عليهم. وبعد وفاته وانقطاع الوحي، زالت هذه الخشية، فقام الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بجمع الناس على إمام واحد، قائلاً: «لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد كان أمثل، فجمعهم على أبي بن كعب رضي الله عنه». فاستقرت هذه السنة الحسنة التي نؤديها اليوم.

أخلاق الصائم: مدرسة الصبر والترفع

لم يكن الصيام عند النبي صلى الله عليه وسلم مجرد طقس تعبدي، بل كان مدرسة أخلاقية متكاملة. فقد كان يحث على الأخلاق الحسنة والترفع عن سفاسف الأمور، فقال عليه الصلاة والسلام: «الصيام جُنَّة، فإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم، إني صائم».

وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من أن يضيع المسلم أجر صيامه بسوء خلقه، فقال: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». فالصوم الحقيقي هو صوم الجوارح عن الآثام، وصوم اللسان عن الغيبة والنمور وقول الزور.

رمضان شهر العمل والجهاد

خلافاً لما يظنه البعض في عصرنا من أن رمضان شهر للكسل أو النوم، كان رمضان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم شهر الجد والعمل والانتصارات الكبرى. ففيه وقعت غزوة بدر الكبرى، وفيه كان فتح مكة العظيم.

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب لنا مثلاً في التوازن بين العبادة والقدرة، فقد سافر لفتح مكة وهو صائم، ثم لما شق الصوم على الناس أفطر ليتقوى ويقوي أصحابه. فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: خرج رسول الله عام الفتح في رمضان، فقام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر، وكان أصحابه يتتبعون الأحدث فالأحدث من أمره ويرونه الناسخ المحكم، وإنما أفطر النبي لما قيل له إن الصوم قد شق على الناس، فلما علم أن بعضهم ظل صائماً قال: «أولئك العصاة».

هذا الموقف يعلمنا أن الدين يسر، وأن المقصد من العبادة ليس تعذيب النفس، بل التقرب إلى الله بما يطيقه العبد ويحقق به مصالح دينه ودنياه.

الخاتمة: دعوة للاقتداء

إن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان هو هدي متكامل، يجمع بين الصيام الخالص، والقيام الخاشع، والجود الواسع، والخلق الرفيع. إنه هدي لا يمنع المسلم من ممارسة حياته، بل يزيده قوةً ونشاطاً في الخير.

فلنجعل من رمضاننا هذا فرصة لنحيا كما عاش النبي صلى الله عليه وسلم، ولنجعل من هديه نبراساً لنا في صيامنا وقيامنا وتعاملنا مع الناس. رزقنا الله وإياكم كمال الاقتداء بهديه، واتباع سنته، والسير على طريقته، وتقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام وصالح الأعمال.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *