الجدل المستمر: هل غسل الدجاج ضرورة أم خطر صحي؟
يعد سؤال “هل يجب غسل الدجاج قبل الطهي؟” من أكثر الأسئلة التي تثير انقساماً حاداً بين ربات البيوت والطهاة المحترفين على حد سواء. فبينما تعتبره بعض الثقافات جزءاً لا يتجزأ من النظافة الشخصية والاهتمام بالطعام، تحذر وكالات سلامة الغذاء العالمية بشدة من هذه الممارسة، مؤكدة أنها قد تكون السبب الرئيسي في نقل الأمراض داخل المطبخ.
الثقافة مقابل العلم: لماذا نصر على غسل الدجاج؟
في مناطق واسعة من آسيا، أفريقيا، الكاريبي، والعالم العربي، يعتبر غسل اللحوم والدواجن ممارسة متجذرة مرتبطة بالتنشئة والتقاليد. صانعة المحتوى فدوى الهلالي، تشارك جمهورها طريقة والدتها المغربية المعقدة في تنظيف الدجاج، والتي تتضمن خطوات عديدة تهدف إلى إزالة أي “شوائب” مرئية. وبالمثل، تتبنى الطاهية الجامايكية أبريل جاكسون وجهة نظر مفادها أن رؤية الماء العكر والشوائب أثناء الغسل تجعل استهلاك الدجاج دون تنظيف أمراً غير مقبول ثقافياً.
لكن في المقابل، تتبنى الدول الغربية سياسة “لا تغسل الدجاج أبداً”. فالإرشادات الصحية هناك تشير إلى أن الدجاج الذي يتم شراؤه من المتاجر الكبرى قد مر بالفعل بعمليات تنظيف وتعقيم صناعية، وأن أي محاولة لغسله في المنزل تزيد من فرص انتشار الجراثيم بدلاً من القضاء عليها.
رذاذ الموت: كيف تنتشر البكتيريا في مطبخك؟
للحصول على إجابة علمية قاطعة، استندت الأبحاث إلى تجارب مخبرية دقيقة. يوضح الدكتور كيمون أندرياس كاراتزاس، خبير علم الأحياء الدقيقة الغذائية بجامعة ريدينغ، أن الخطر لا يكمن في الدجاج نفسه بل في “الرذاذ المائي” الناتج عن الغسل. عند وضع الدجاج تحت الصنبور، يتناثر الماء المحمل بالبكتيريا في دائرة واسعة قد تصل إلى مترين حول المغسلة.
باستخدام الأشعة فوق البنفسجية، أثبتت التجارب أن قطرات الماء غير المرئية تنتقل إلى أسطح العمل، الأدوات، الملابس، وحتى الخضروات التي قد تؤكل نيئة مثل الخس والجزر. هذا يعني أنك في محاولتك لتنظيف الدجاج، قد تكون تسببت في تلوث المطبخ بأكمله ببكتيريا قاتلة.
العدو الخفي: بكتيريا الكامبيلوباكتر والسالمونيلا
يحمل الدجاج النيئ نوعين خطيرين من البكتيريا: السالمونيلا والكامبيلوباكتر. وتعد الأخيرة هي السبب الأكثر شيوعاً لالتهاب المعدة والأمعاء في العالم. الصادم في الأمر هو أن قطرة واحدة فقط من عصارة الدجاج قد تحتوي على كمية من بكتيريا الكامبيلوباكتر تفوق عدد سكان الأرض بمرات، وهي كافية جداً لإصابة الإنسان بتسمم غذائي حاد.
تظهر أعراض الإصابة عادة خلال يومين إلى خمسة أيام، وتشمل الإسهال الدموي، القيء، وآلام البطن الشديدة. وفي حالات نادرة، قد تتطور المضاعفات لتصل إلى شلل مؤقت أو التهابات مفاصل مزمنة. ويحذر الخبراء من أن ما نراه من حالات تسمم هو مجرد “قمة جبل الجليد”، حيث أن معظم المصابين لا يبلغون عن حالاتهم إلا إذا كانت شديدة جداً.
الحل الوحيد لضمان سلامة الطعام
يجمع علماء الغذاء على أن الطريقة الوحيدة والفعالة للقضاء على البكتيريا هي الطهي الجيد. فالحرارة العالية كفيلة بقتل جميع الجراثيم الموجودة داخل اللحم وعلى سطحه. أما استخدام الخل أو الليمون أو الملح، فرغم تأثيره الطفيف على النكهة أو الملمس، إلا أنه لا يقضي على البكتيريا بشكل موثوق.
إذا كنت لا تزال تشعر بضرورة غسل الدجاج لأسباب ثقافية، ينصح الخبراء بالقيام بذلك داخل وعاء مملوء بالماء لتقليل التناثر، مع ضرورة تعقيم المغسلة والأسطح المحيطة فوراً باستخدام المطهرات الكيميائية والماء الساخن، لضمان عدم انتقال “العدو الخفي” إلى بقية أفراد عائلتك.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً