هند قبوات: رمز نسائي في مسار سوريا الوعر نحو الاستقرار
في قلب العاصمة السورية دمشق، تبرز هند قبوات كوجه نسائي فريد وسط تشكيلة حكومية يطغى عليها الطابع الذكوري. بصفتها وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل في الحكومة السورية الانتقالية، تجد قبوات نفسها أمام مهمة تاريخية تتجاوز إدارة ملفات وزارية اعتيادية؛ فهي الوزيرة الوحيدة المكلفة بمرافقة بلادها في رحلة الانتقال من رماد الحرب إلى أمل السلام.
منذ اليوم الأول لتوليها المنصب، لم تتردد قبوات في طرح التساؤلات الصعبة، حيث سألت عن غياب التمثيل النسائي الكافي في الحكومة. ورغم الوعود التي تلقتها من رئيس الحكومة، أحمد الشرع، بأن التشكيلات المستقبلية ستنصف المرأة السورية، إلا أنها تدرك تماماً أن وجودها اليوم يحمل ثقلاً سياسياً واجتماعياً يرفض مبدأ المحاصصة الصورية، قائلة بوضوح: “لستُ هنا للزينة”.
إرث ثقيل وأزمات تلاحق المرحلة الانتقالية
تولت الحكومة الانتقالية مهامها في ظل ظروف استثنائية، أعقبت سقوط نظام عائلة الأسد في ديسمبر 2024. واجهت هذه الحكومة في أشهرها الأولى موجات من العنف الطائفي خلفت آلاف القتلى، مما وضع مصداقيتها على المحك. تقر قبوات، التي كانت سابقاً وجهاً بارزاً في المعارضة السورية في المنفى، بأن الحكومة ارتكبت أخطاءً، لكنها تعتبر هذه العثرات جزءاً لا يتجزأ من طبيعة المراحل الانتقالية المعقدة.
تتولى قبوات ملفات هي الأكثر حساسية وتماساً مع معاناة السوريين؛ من رعاية الأيتام والأرامل، إلى البحث في مصير عشرات الآلاف من المغيبين قسرياً خلال العقود الماضية. ومع وصول نسبة الفقر في سوريا إلى 90% وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، تصبح مهمة خلق فرص عمل وتأمين مأوى لملايين النازحين تحدياً وجودياً للوزارة والحكومة على حد سواء.
بناء الثقة عبر الحوار: استراتيجية قبوات للعبور بسوريا
تؤمن هند قبوات، المحامية المتمرسة التي تلقت تعليمها في كبرى الجامعات الدولية، بأن “الحوار” هو الأداة الأقوى لإعادة بناء النسيج المجتمعي الممزق. ترى الوزيرة أن بناء الثقة بين السوريين أنفسهم، وبينهم وبين الحكومة الجديدة، يحتاج إلى وقت وصبر بعد خمسين عاماً من الديكتاتورية.
خلال جولاتها الميدانية التي شملت حلب وإدلب ومناطق في الجنوب السوري، تسعى قبوات لرأب الصدوع الطائفية والاجتماعية. سواء كان ذلك عبر زيارة مراكز الإيواء التي تضم الفارين من الاشتباكات بين القوات الحكومية وقوات “قسد”، أو عبر التواصل مع عائلات تعرضت لانتهاكات، تصر قبوات على أن المحاسبة والتحقيق هما السبيل الوحيد لضمان العدالة الانتقالية.
المرأة السورية.. من الإغاثة إلى صنع القرار
في زيارة لمدينة إدلب، معقل منظمتها النسوية “تستقل”، التقت قبوات بنساء سوريات يمثلن كافة أطياف المجتمع. هناك، وجهت رسالة حازمة للنساء بضرورة امتلاك “الذكاء السياسي” لضمان تمثيل حقيقي في البرلمان الانتقالي (مجلس الشعب)، حيث لم تتجاوز نسبة فوز النساء 4% في الانتخابات الأخيرة.
تؤكد قبوات أن المرأة السورية كانت دائماً المعيل والقائد في الظل خلال سنوات الحرب، وحان الوقت لتكون في مواقع اتخاذ القرار. وهي ترفض أي تهميش لصلاحياتها داخل الحكومة، مشددة على استقلاليتها التامة في وضع استراتيجيات وزارتها وتعيين فريق عملها، رافضة فكرة “حكومة الظل” التي قد تحاول سلب الوزراء صلاحياتهم.
تحديات اقتصادية ودعوات لدعم دولي
بينما تكافح الحكومة لإرساء نظام قانوني جديد وتعزيز الشفافية، تبرز الحاجة الماسة للتمويل. يقدر البنك الدولي أن سوريا تحتاج إلى 200 مليار دولار لإعادة الإعمار. ورغم الدعم الدولي وتخفيف بعض العقوبات بضغوط أمريكية، إلا أن عدم الاستقرار الإقليمي والهجمات المتكررة تزيد من حذر المانحين.
تختتم هند قبوات حديثها بلمحة إنسانية، حيث لا تمسك دموعها وهي تتحدث عن ألم السوريين ومسؤوليتها تجاههم. لكنها سرعان ما تستعيد حزمها، مؤكدة أن العمل هو السبيل الوحيد لتجاوز الماضي وبناء سوريا الجديدة التي تستوعب الجميع دون تمييز أو إقصاء.
المصدر: BBC Arabic



اترك تعليقاً