مقدمة: مفهوم الارتحال الكوني وسيميائية الوجود
إنَّ المتأملَ في فلسفةِ الخلقِ يدركُ أنَّ هذا الكون ليس كياناً ساكناً، بل هو مسرحٌ لعمليةِ “ارتحال كوني” كبرى، تبدأ من العدمِ وتمرُّ عبر الوجودِ الماديِّ لتستقرَّ في الخلودِ الأبدي. وفي هذا المسيرِ الإنساني، لم يتركِ الخالقُ سبحانه وتعالى البشريةَ تائهةً في فيافي الغفلة، بل صممَ لها نظاماً تنبيهياً دقيقاً يُعرف بـ “أشراط الساعة”. هذه الأشراطُ ليست مجرد إرهاصاتٍ لنهايةِ العالمِ المادي، بل هي لغةٌ سيميائيةٌ (علاماتية) تهدفُ إلى قرعِ أجراسِ القلوبِ لترميمِ جدارِ اليقين الذي قد تصدّعَه مادياتُ الحياة، وهي نداءٌ أخيرٌ للاستدراكِ قبل أن تُطوى الصحائف وتُغلق منافذ التوبة.
يقول الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون: 115]. إنَّ مفهوم الرجوعِ والارتحالِ هو الحقيقةُ المركزية التي تتمحورُ حولها أشراطُ الساعةِ كمنظومةٍ إشاريةٍ متكاملة.
أولاً: فلسفة التنبيه الإلهي.. لماذا تسبق الساعةَ أشراطُها؟
من مقتضيات الرحمةِ الإلهية أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ لا يأخذُ عبادهُ بغتةً دون إنذارٍ مسبقٍ يوقظُ النائمَ وينبهُ الغافل. إنَّ هندسةَ الارتحالِ الكوني تقتضي وجودَ مقدماتٍ تدريجيةٍ تنقلُ النفسَ من حالةِ الاستغراقِ في الدنيا إلى حالةِ الترقبِ للآخرة. يقولُ سبحانه: (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً ۖ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا) [محمد: 18].
تتجلى سيميائية هذه الأشراط في ثلاثة أبعاد أساسية:
- البعد التربوي: تربيةُ المؤمنِ على أنَّ الدنيا زائلةٌ، وأنَّ كلَّ متغيرٍ كوني هو دليلٌ على قدرةِ الخالقِ على التغيير الكلي.
- البعد التحذيري: إقامةُ الحجةِ على الناسِ، فلا يقولُ قائلٌ إنَّ القيامةَ فاجأتني ولم أجدْ وقتاً للإصلاح.
- البعد الترميمي: إصلاحُ ما أفسدهُ الطولُ الأمدُ في القلوب، فكلما رُؤيت علامةٌ تجددَ اليقينُ بصدقِ النبوةِ وقربِ اللقاء.
ثانياً: قراءة في سيميائية العلامات الصغرى والوسطى
تُعدُّ العلاماتُ الصغرى والوسطى بمثابةِ “الشيفرات الزمنية” التي تُفكُّ رموزها عبر التاريخ. فعندما نرى تسارعَ الزمانِ، وتقاربَ الأسواقِ، وتطاولَ الحفاةِ العراةِ في البنيان، فنحن لا نرى مجردَ تطورٍ اجتماعي أو تقني، بل نرى تجسداً لنبوءاتٍ غيبيةٍ تصبُّ في خانةِ ترسيخِ الإيمان. قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور: “… وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ” [رواه مسلم].
هذه التحولاتُ السيميائيةُ في وجهِ الأرضِ هي رسائلُ صامتةٌ تقولُ للمؤمنِ: “إنَّ الوعدَ حق”. إنها تعملُ كجهازِ استشعارٍ روحي، فكلما تحققَ حدثٌ أخبر به الصادقُ المصدوق، زادَ منسوبُ اليقينِ في القلب، وانكمشتْ رغبةُ النفسِ في الركونِ إلى دارِ الممر، وتهيأت للرحيلِ نحو دارِ المقر.
ثالثاً: ترميم اليقين في زمن الفتن العاتية
نعيشُ اليومَ في عصرٍ تلاطمتْ فيه أمواجُ الشبهات، وأصبحَ الحليمُ فيه حيران، وهنا تبرزُ أشراطُ الساعةِ كقواربِ نجاةٍ فكريةٍ وروحية. إنَّ وقوعَ الفتنِ كما وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها “كقطعِ الليلِ المظلم” هو بحدِّ ذاته علامةٌ تثبّتُ فؤادَ المؤمن. فعندما يرى المسلمُ تكالبَ الأممِ عليه، وغربةَ الدين، وانطماسَ معالمِ الأخلاق، لا ييأسُ، بل يقول: “هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله”.
إنَّ هندسةَ اليقينِ هنا تنبعُ من المطابقةِ المذهلةِ بين الخبرِ النبويِّ والواقعِ المشهود. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا” [رواه مسلم]. هذه التحذيراتُ ليست لبثِّ الرعبِ، بل هي دعوةٌ للاستيقاظِ والاعتصامِ بحبلِ اللهِ المتين.
رابعاً: العلامات الكبرى وغلق منافذ التوبة
تصلُ هندسةُ الارتحالِ الكوني إلى ذروتها في العلاماتِ الكبرى، التي هي بمثابةِ “الانقلاب الكوني الشامل”. هنا تنتقلُ العلاماتُ من النطاقِ المحلي البشري إلى النطاقِ الكوني العظيم (طلوع الشمس من مغربها، خروج الدابة، نزول عيسى عليه السلام). في هذه المرحلة، تنتهي وظيفةُ التنبيهِ لتبدأ وظيفةُ المحاسبة، وتُغلقُ منافذُ التوبةِ لأنَّ الغيبَ أصبحَ شهادة، والإيمانَ لم يعدْ اختياراً بل اضطراراً.
يقول الله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) [الأنعام: 158]. إنَّ السيميائيةَ هنا بلغتْ مداها الأقصى؛ فطلوعُ الشمسِ من مغربها هو إعلانٌ بانتهاءِ صلاحيةِ القوانينِ الفيزيائيةِ للكون، وبالتالي انتهاءِ زمنِ الاختبارِ البشري.
خامساً: كيف نحول “أشراط الساعة” إلى منهج حياة؟
إنَّ دراسةَ أشراطِ الساعةِ لا ينبغي أن تظلَّ محبوسةً في إطارِ الترفِ الفكري أو القلقِ الوجودي، بل يجب أن تتحولَ إلى برنامجِ عملٍ يومي يرتكزُ على النقاط التالية:
- تجديد التوبة المستمر: بما أنَّ الساعةَ تأتي بغتة، فإنَّ المؤمنَ الذكيَّ هو من يعيشُ حالةَ “التوبة الدائمة”، مستحضراً قوله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا” [رواه مسلم].
- الاستثمار في الباقيات الصالحات: إدراكُ قربِ النهايةِ يحفزُ على مضاعفةِ العملِ الصالح، فإذا قامت الساعةُ وفي يدِ أحدكم فسيلة فليغرسها.
- التحصين العلمي والروحي: فهمُ فقهِ الفتنِ وأشراطِ الساعةِ يحمي المسلمَ من الدجالين والأفكارِ المنحرفةِ التي تظهرُ في أواخرِ الزمان.
خاتمة: رحلة العودة إلى الله
إنَّ هندسةَ “الارتحالِ الكوني” هي في جوهرها دعوةٌ للحبِّ والإنابةِ قبل أن تكونَ نذيراً بالفناء. إنَّ اللهَ عز وجلَّ، بعظيمِ لطفهِ، جعلَ للكونِ أنفاساً أخيرةً تظهرُ في هذه الأشراط، لتكونَ فرصةً للمقصرين لترميمِ يقينهم، وللمحسنين لزيادةِ إحسانهم. إنَّ إغلاقَ منافذِ التوبةِ ليس قراراً فجائياً، بل هو نتيجةٌ حتميةٌ لانتهاءِ وقتِ الامتحانِ الذي طالما أرسلَ اللهُ فيه الإشاراتِ والنذر.
ختاماً، لنجعلْ من رؤيتنا لمتغيراتِ العصرِ مِرآةً نرى فيها صدقَ ما جاء به نبينا الكريم، ولنجعلْ من كلِّ علامةٍ نراها دافعاً لترميمِ صلتنا بخالقنا، فالسعيدُ من وعظهُ غيرُه، والموفقُ من أدركَ بوصلةَ النجاةِ قبلَ أن يسكنَ الضجيجُ وتُطوى الأرضُ وتشرقَ شمسُ الأبدية.
اللهمَّ ثبّتْ قلوبنا على دينك، واجعلنا من الذين يستمعون القولَ فيتبعون أحسنه، وأيقظنا من غفلةِ القلوبِ قبلَ فواتِ الآوان.

اترك تعليقاً