وفاءً بالوعد الأخير.. قصة «باكيت البسكويت» في كفن طفل بغزة
في حلقة مؤثرة من برنامج "صوت الصورة" عبر شبكة الجزيرة، استعاد المصور الصحفي بلال خالد تفاصيل واحدة من أكثر الصور إيلاماً في تاريخ العدوان على غزة. إنها حكاية الأب عبد الله الغف، الذي لم يمنعه الموت وكفن ابنه الصغير من الوفاء بوعده، ليضع قطعة بسكويت في يد طفله الباردة كوداع أخير.
الطلب الأخير في صباح خان يونس الحزين
بدأت فصول المأساة في تمام السابعة صباحاً من يوم 28 ديسمبر 2023. في قلب مدينة خان يونس، نطق الطفل فراس (عامان وثلاثة أشهر) بكلماته الأخيرة لوالده: "بابا.. أريد بسكويت".
يستذكر الأب ذلك الصباح بقلب مثقل، مشيراً إلى أن طفليه، محمد وفراس، لم يناما بعد صلاة الفجر كعادتهما، بل ظلا يداعبانه ويقبلانه بإلحاح غريب، وكأن أرواحهما الصغيرة كانت تودعه قبل رحيلها الوشيك.
غارة غادرة تحول الوعد إلى مأساة
بينما كان عبد الله يسعى لتلبية رغبة طفله وشراء البسكويت، هزّ انفجار عنيف أرجاء المنطقة. في تلك اللحظة، شعر الأب بانقباض في صدره، قائلاً: "شعرت حينها أن مكروهاً أصاب أولادي".
وعند عودته، وجد الكارثة بانتظاره:
- صراخ الجيران يملأ المكان.
- ركام المنزل يغطي الأحلام.
- نبأ استشهاد زوجته وأطفاله يزلزل كيانه.
مشهد ثلاجة الموتى: بسكويت بطعم الفقد
لم يتخلَّ عبد الله عن "باكيت البسكويت"؛ ظل قابضاً عليه وهو يركض نحو مجمع ناصر الطبي. وفي ثلاجة الموتى، تجسدت المأساة في ثمانية أفراد من عائلته ممددين بدمائهم، من بينهم زوجته "أم محمد"، وطفله فراس الذي شوهت شظايا دبابة الاحتلال ملامحه البريئة.
في لحظة حبس فيها العالم أنفاسه، فتح الأب الكفن. لم يكن فراس قادراً على الأكل، لكن الأب أصر على الوفاء بعهده، فوضع قطعة البسكويت في يد فراس الصغيرة وأغلق عليها الكفن، ليرحل الطفل وبصحبته وعد والده.
جرح عائلة الغف الذي لا يندمل
لم تنتهِ فصول الوجع عند فراس، بل امتدت لابنه الثاني محمد، الذي عانى لأسابيع من إصابات بليغة في مستشفيات غزة المحاصرة. نُقل محمد لاحقاً إلى مصر في محاولة لإنقاذه، لكن روحه صعدت لتلتحق بعائلته بعد صراع مرير مع الألم.
سياق حرب الإبادة في غزة
تمثل مأساة عائلة الغف نموذجاً صارخاً لجرائم الاحتلال الإسرائيلي المستمرة منذ السابع من أكتوبر 2023. هذه الحرب التي وصفتها المنظمات الدولية بأنها "حرب إبادة جماعية"، أسفرت عن:
- عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى.
- استهداف مباشر للمدنيين في منازلهم.
- أكثر من 70% من الضحايا هم من الأطفال والنساء وفقاً لتقارير وزارة الصحة الفلسطينية.
تظل صورة "بسكويت الكفن" شاهدة على إرهاب يغتال الطفولة، وعلى أب فلسطيني تمسك بالحب والوفاء حتى في أحلك لحظات الفقد.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً