مقدمة: شمس الغرب التي أضاءت آفاق المشرق
لطالما ازدهى المشرق الإسلامي بجهابذة الحفاظ وفحول الأدباء الذين أرسوا قواعد الدرس اللغوي والشرعي، فكانوا كأعمدة شامخة لا يطالها الحصر في العصور المتأخرة، ويحسبنا ذكر الحافظ السيوطي، والقلقشندي، وابن نباتة، والزبيدي، وغيرهم ممن طبقت شهرتهم الآفاق. بيد أن الغرب الإسلامي لم يكن أقل عطاءً ولا أضعف أثراً، فقد جاد بعباقرة جمعوا بين النظم والنثر، والحديث والفقه، فبرزت طبقة أدباء المرابطين والموحدين، ثم تلاها عصر ابن الخطيب وابن خميس، حتى توج هذا العقد الفريد بظهور أبو العباس المقري التلمساني، الذي استحق عن جدارة لقب خاتمة حفاظ الأدب واللغة في ديار المغرب.
النشأة العلمية والرحلة في طلب العلم
ولد الإمام أبو العباس أحمد المقري (992-1041هـ) في مدينة "مقرة" بأرض الجزائر، وهي التي كانت تعرف قديماً بالمحمدية، عاصمة بلاد الحضنة. ترعرع في كنف مدينة تلمسان العريقة، حيث نهل من معين علومها، ولازم عمه العلامة سعيد المقري، مفتي تلمسان وخطيبها لنصف قرن من الزمان، ملازمةً أثمرت نضجاً مبكراً. ثم يمم شطر مدينة فاس، ليستكمل عدته العلمية على أيدي أفذاذ علمائها، حتى استوى على سوقه إماماً في الفقه، والتوحيد، والتاريخ، والأدب.
رحلة المشرق وبزوغ الإمامة
لم تقف طموحات المقري عند حدود المغرب، فشد الرحال إلى المشرق سنة (1028هـ)، فكانت رحلته فتحاً علمياً مبيناً، حيث أبهر علماء المشرق بسعة حفظه وقوة عارضته. وتتجلى محطات رحلته فيما يلي:
- التدريس في دمشق والقاهرة: حيث جلس للتحديث ونشر العلم، فالتف حوله طلاب العلم ينهلون من بحره.
- المجاورة في مكة المكرمة: هناك عرف الناس مفاخر الإسلام في الأندلس والغرب الإسلامي من خلال دروسه ومؤلفاته.
- الوفاة: استمرت رحلته المشرقية أربعة عشر عاماً، حتى اختاره الله سبحانه وتعالى إلى جواره في القاهرة سنة (1041هـ).
إرث علمي ضارب في الجذور
ولم يكُ أبو العباس المقري بدعاً في قومه، بل هو سليل أسرة عريقة ضاربة في العلم والفضل بتلمسان. فمن أسلافه الفقيه أبو عبد الله المقري الكبير (ت 759هـ)، صاحب كتاب "القواعد والمحاضرات"، وهو الذي أفرد له الونشريسي مؤلفاً في سيرته، وكذلك فعل ابن مرزوق الحفيد في كتابه "النور البدري في التعريف بالفقيه المقري".
وقد ظل المقري مرجعاً عصياً على النسيان في حقول العقيدة والتاريخ، حتى إن العلماء اعتنوا بضبط اسمه، كما فعل المراكشي الإفراني الصغير في كتابه "الوشي العبقري في ضبط لفظ المقري"، وقد أشار العلامة أحمد بابا التنبكتي إلى تداول اللقبين (المقَري والمقّري) بالتشديد والتخفيف.
منظومة "إضاءة الدجنة" وذيوع صيتها
تعد منظومة المقري في العقيدة من أعظم آثاره التي تداولها الناس شرقاً وغرباً، ويقول مؤلف هذه العقيدة العبد الفقير أحمد: "وأصلحتُ فيها ما عثرت عليه، وقد كُتب من هذه العقيدة -فيما علمت- بمصر المحروسةِ، والشام، والحجاز، والمغرب، نيف على ألف نسخة، ولله الحمد، وكتبت خطي على نحو المائتي منها، وقد كتبها غالب طلبة مكة لما قرأتها هناك، وأهل بيت المقدس لما قرأتها به أيضاً، وأهل دمشق حين درستها بها، وأخذ منها أصحابنا إلى المغرب والصعيد نسخاً، وكتب لي بعض أصحابنا بالصعيد أنه كتب منها هناك نيف على مائة نسخة، وكذلك برشيد والإسكندرية، جعلها الله خالصة لوجهه الكريم، وكُتب لشوال سنة 1037".
وقد نالت هذه المنظومة ثناءً عاطراً من العلماء، حيث حلاها الشيخ عبد الغني النابلسي في شرحه عليها بأنها:
"العقيدة المنظومة، والعقيلة المعصومة، واللؤلؤة المكنونة، والجوهرة المخزونة، فريدة التوحيد، وخريدة التمجيد".
تميز المنهج العقدي عند المقري
على الرغم من سيادة عقائد السنوسي في ذلك العصر، إلا أن منظومة المقري زاحمتها في الانتشار والقبول، وذلك لعدة أسباب:
- حسن الترتيب: دقة التنظيم وسلاسة الانتقال بين المسائل العقدية.
- الوضوح والبيان: عرض القضايا بأسلوب ميسر يناسب المبتدئين.
- الانتشار الجغرافي: أصبحت المقرر الأول في بلاد شنقيط والفلان والهوسا.
المقري في ميزان البحث المعاصر
لم تغفل الدراسات الحديثة عن جلالة قدر المقري، فقد انبرى لتحقيق تراثه ودراسة سيرته كبار الباحثين، ومنهم:
- المحقق إحسان عباس الذي اعتنى بآثاره.
- العالم الجزائري محمد بن عبد الكريم الجزائري في رسالته للدكتوراه.
- المؤرخ عثمان الكعاك، والحبيب الجنحاني، وأسماء القاسمي الحسني.
خاتمة: مسك الختام
إن هذا التعريف المقتضب لا يوفي الإمام أبو العباس المقري التلمساني حقه، وهو الذي جمع بين دقة المحدث، وبلاغة الأديب، وعمق الفقيه. لقد كان بحق خاتمة الحفاظ بموسوعيته النادرة وحافظته التي أعجزت معاصريه، فغدا بيانه يضاهي أعلام البيان في تاريخنا المجيد. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرحمه رحمة واسعة، وأن يجزيه عن الإسلام وأهله خير الجزاء، وأن يجعل علمه نوراً يهتدي به السالكون في دروب المعرفة.



اترك تعليقاً