أدب المعاشرة والذوق الرفيع: تأصيل فن الإتيكيت في الحضارة الإسلامية

أدب المعاشرة والذوق الرفيع: تأصيل فن الإتيكيت في الحضارة الإسلامية

مقدمة: في رحاب الرقي السلوكي الإسلامي

إن المتأمل بعين البصيرة في تضاعيف التراث الإسلامي، يدرك يقيناً أن ما يصطلح عليه المعاصرون بـ "فن الإتيكيت" ليس إلا قبساً من أنوار حضارتنا التي أحاطت بكل تفاصيل آداب السلوك في الإسلام. فبينما يندهش البعض بجماليات السلوك في الحضارات الأخرى، نجد أن شريعتنا قد أرست قواعد الذوق الرفيع، ولم تدع دقيقة من دقائق التعامل الإنساني إلا وأحكمت صياغتها؛ تنظيماً وترتيباً، وتقعيداً وتبويباً، فصارت مدرسة في آداب الطعام، وفنون الضيافة، وسمو المعشر.

ولقد تضافرت الأدلة الشرعية من آيات الذكر الحكيم، وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وآثار السلف الصالح، لتشكل دستوراً أخلاقياً متكاملاً. وقد حفلت مكتبتنا الإسلامية بمصنفات فريدة، ككتاب "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي، و"المستطرف من كل فن مستظرف" للأبشيهي، و"زاد المعاد في هدي خير العباد" لابن القيم الجوزية، وهي مراجع تفيض بأفانين القول في هذا المضمار.

درر من مصنفات آداب المؤاكلة والضيافة

لقد أفرد علماؤنا الأجلاء كتباً مستقلة في فنون اللياقة الاجتماعية، نذكر منها ثلاثة تمثل ذروة في دقة الملاحظة وجمال التوجيه:

  1. "آداب الأكل" لابن عماد الأقفهسي (ت 867هـ): وهو شرح لمنظومة شعرية بلغت (328) بيتاً، استوعبت آداب المأكل والمشرب، وما يستحسن من الخلال وما يقبح، وختمها بآداب النوم والدعاء.
  2. "فص الخواتم فيما قيل في الولائم" لابن طولون الدمشقي (ت 953هـ): الذي استقصى أنواع الولائم ومواسمها، وفصّل في آداب إجابة الدعوة بأسلوب علمي رصين.
  3. "آداب المؤاكلة" لبدر الدين الغزي الدمشقي (ت 984هـ): وهو كتاب فريد أحصى فيه (81) عيباً من عيوب المائدة، مؤكداً أن الإحاطة بها هي سبيل الحذق في آداب المعاشرة.

عيوب المائدة: دقة التشخيص وجمال التهذيب

لقد برع الغزي في تشخيص آفات المائدة التي تخدش المروءة وتنافي الذوق الرفيع، ومن هذه النماذج التي ساقها ببراعة:

  • المتشاوف: وهو الذي يستحكم جوعه قبل فراغ الطعام، فلا تراه إلا متطلعاً لناحية الباب يظن أن ما دخل هو الطعام.
  • العداد: وهو الذي يستغرق في عد الزبادي ويعد على أصابعه، ويشير إليها، وينسى نفسه.
  • الجراف: هو الذي يجعل اللقم في جانب الزبدية ويجرف بها إلى الجانب الآخر.
  • الرشاف: هو الذي يجعل اللقمة في فيه ويرتشفها، فيسمع لها حين البلع حس لا يخفى على جلسائه، وهو يلتذ بذلك.
  • النفاض: هو الذي يجعل اللقمة في فيه وينفض أصابعه في الزبدية.

وتتوالى المصطلحات في كتابه لتشمل (المفتش، والمنشف، والصباغ، والنفاخ، والشطرنجي، والمهندس) وغيرها من الأوصاف التي تنبه المرء إلى ضرورة الالتزام بالسكينة والوقار أثناء الأكل.

منهج الإمام الشافعي في فقه المائدة

لقد لخص الإمام الشافعي -رضي الله عنه- فلسفة الإسلام في التعامل مع الطعام بعبارات جامعة مانعة، حيث نقل العبادي في "الطبقات" عن الربيع عن الشافعي أنه قال:

"في الأكل أربعة أشياء فرض، وأربعة سنة، وأربعة أدب."

  • أما الفرض: فغسل اليد والقصعة، والسكين والمغرفة.
  • والسنة: الجلوس على اليسار، وتصغير اللقمة، والمضغ الشديد، ولعق الأصابع.
  • والأدب: ألا تمد يدك حتى يمد من هو أكبر منك، والأكل مما يليك، وقلة الكلام.

خاتمة: سمو الحضارة في تفاصيل السلوك

إن ما يسمى اليوم بـ "الإتيكيت" قد سبقته حضارتنا بقرون، جاعلة من حسن السلوك عبادة يتقرب بها العبد إلى ربه سبحانه وتعالى. ولعل في لوحات البحتري الشعرية التي وصف فيها دهشة وفود الروم من رقي الاستقبال في دار الخلافة، خير دليل على أن الإسلام لم يبنِ صروحاً من الحجارة فحسب، بل بنى صروحاً من القيم والذوق الرفيع. نسأل الله عز وجل أن يرزقنا حسن الأدب، ويهدينا لأحسن الأخلاق، فإنه لا يهدي لأحسنها إلا هو، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *