# أسرار خواتيم رمضان: كيف تفوز بالقبول وتحسن الظن بالرحمن؟
يمضي الزمان وتتسارع الأيام، وها نحن نودع ضيفاً عزيزاً حلَّ بساحتنا، شهر رمضان المبارك، الذي أوشك شمسه على المغيب. وفي هذه اللحظات الفارقة، يقف المؤمن بين الرجاء والخوف، يتأمل ما قدم، ويرجو ما عند الله من الفضل. إنَّ القاعدة الإيمانية العظيمة التي يجب أن نستصحبها في هذه الأيام هي أن “الأَعمَالُ بِالخَوَاتِيمِ”، فالعبرة دائماً تكون بكمال النهايات لا بنقص البدايات، والله سبحانه وتعالى جواد كريم، يفيض بفضله على من أقبل عليه بصدق.
كمال النهايات وجبر النقص في البدايات
قد يشعر البعض بالتقصير فيما مضى من أيام الشهر، وقد يداخله الندم على ساعات ضاعت في غير طاعة، لكنَّ رحمة الله واسعة، والتوبة تجبُّ ما قبلها. إنَّ ركعة واحدة خاشعة فيما بقي من رمضان قد تُقبل، أو دعوة صادقة تخرج من سويداء القلب تُرفع، أو صدقة خفية أُعطيت بصدق تُقبل، أو دمعة خاشعة أُخفيت عن أعين الخلق فكتب الله بها للعبد أجراً لا يخطر له على بال.
إنَّ الله عز وجل قد يحلُّ رضوانه على عبده بعمل واحد بسيط يراه العبد صغيراً وهو عند الله عظيم. لذا، ما أحوجنا في هذه الأيام أن نصبر ونصابر ونرابط، وأن نجدد العزم في قلوبنا، ونقاوم كسل النفس وخمولها، ونضع نصب أعيننا أن هلال العيد سيطل قريباً، وعندها سيكون هناك فائزون قد أُعتقت رقابهم من النار، وجمعوا من الحسنات ألوفاً مؤلفة بنياتهم الخالصة.
صلاة المودع وصيام من لا يدرك رمضان مرة أخرى
من أعظم المحفزات على الطاعة في هذه الأواخر هو استشعار أن هذا الرمضان قد يكون الأخير في حياة الواحد منا. كم من عزيز كان معنا في العام الماضي وهو اليوم تحت التراب؟ إنَّ رمضان هذا سيكون لبعضنا هو آخر شهر يصومونه ويقومونه مع المسلمين؛ فهم اليوم فوق الأرض، وغداً سيكونون من أصحاب القبور.
ومن هنا، فإن من كمال العقل والحكمة أن يصلي المسلم فيما بقي صلاة مودع، وأن يصوم صيام من قد لا يدرك الشهر مرة أخرى، وأن يبذل في وجوه الخير بذل من يعلم أن الفرصة قد لا تتاح له ثانية. إنَّ هذا الاستشعار يبعث في النفس قوة، وفي القلب خشوعاً، وفي الجوارح نشاطاً لا يحده حد.
المحور العظيم: إحسان الظن بالله الكريم
هناك أمر عظيم يجب أن يملأ قلوبنا في هذه الخواتيم، وهو إحسان الظن بالله. إن المسلم لا يظن بربه إلا خيراً، ويتوقع دائماً أن ما أسلفه من عمل صالح -رغم نقصه- قد قُبل برحمة الله. فالله تعالى عند ظن عبده به، فمن ظن به القبول والرحمة نالهما.
تأمل معي أخي المسلم: من الذي هداك للإسلام؟ ومن الذي حبب إليك الإيمان وزينه في قلبك؟ ومن الذي جعلك من المصلين الصائمين؟ ومن الذي وفق يدك لتمتد بالعطاء، ورجلك لتخطو إلى المساجد؟ ومن الذي فتح عليك بتلاوة كتابه والذكر والاستغفار؟
إنَّ الذي وفقك لكل هذا لم يفعل ذلك ليعذبك، بل الظن به سبحانه أنه لم يشرح صدرك للإسلام وييسر لك الطاعة إلا ليقبلك ويثيبك. قال سبحانه وتعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ} [الأنعام: 125]. وقال عز وجل طمأنةً لقلوب المؤمنين: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا} [النساء: 147].
إنَّ الرجاء في رحمة الله هو وقود العبادة، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218]. فالله يريد أن يتوب علينا، كما قال سبحانه: {وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} [النساء: 27]. بينما الشيطان هو من يعدنا الفقر ويأمرنا بالفحشاء، أما الله فيعدنا مغفرة منه وفضلاً.
بشارات نبوية للصائمين والقائمين
أيها المسلمون، لقد صمتم وقمتم، ومن حافظ على صلاة القيام مع الإمام حتى ينصرف، فقد أدرك ليلة القدر بلا شك، فهنيئاً لكم بشارة الصادق المصدوق ﷺ إذ قال في الحديث المتفق عليه: «مَن صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ، وَمَن قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ، وَمَن قَامَ لَيلَةَ القَدرِ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ».
تخيل كم سجدة سجدتها في هذا الشهر؟ لقد قال النبي ﷺ: «عَلَيكَ بِكَثرَةِ السُّجُودِ للهِ؛ فَإِنَّكَ لا تَسجُدُ للهِ سَجدَةً إِلاَّ رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنكَ بِهَا خَطِيئَةً» (رواه مسلم). وتأمل في ختمات القرآن التي أنجزتها، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَن قَرَأَ حَرفًا مِن كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشرِ أَمثَالِهَا، لا أَقُولُ ألم حَرفٌ. وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرفٌ وَلامٌ حَرفٌ وَمِيمٌ حَرفٌ» (رواه الترمذي).
فقه الدعاء واليقين بالإجابة
ما من مسلم إلا ودعا الله في هذا الشهر، في سجوده، وبين الأذان والإقامة، وعند فطره، وفي وقت السحر. اعلموا يقيناً أنه لم يذهب من ذلك شيء سدى بفضل الله. فكل دعوة محفوظة لصاحبها، كما قال ﷺ: «مَا عَلَى الأَرضِ مُسلِمٌ يَدعُو بِدَعوَةٍ إِلاَّ آتَاهُ اللهُ إِيَّاهَا، أَو صَرَفَ عَنهُ مِنَ السُّوءِ مِثلَهَا» (رواه الترمذي).
وفي رواية الإمام أحمد: «مَا مِن مُسلِمٍ يَدعُو بِدَعوَةٍ لَيسَ فِيهَا إِثمٌ وَلا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلاَّ أَعطَاهُ اللهُ بِهَا إِحدَى ثَلاثٍ: إِمَّا أَن تُعَجَّلَ لَهُ دَعوَتُهُ، وَإِمَّا أَن يَدَّخِرَهَا لَهُ في الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَن يَصرِفَ عَنهُ مِنَ السُّوءِ مِثلَهَا». فلما سمع الصحابة ذلك قالوا: “إذن نكثر”، فقال النبي الكريم: «اللهُ أَكثَرُ».
جزاء الصابرين في مدرسة الصيام
إن الصيام هو أعظم تجلٍّ للصبر، والله تعالى يقول: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ}. وفي الحديث القدسي: «كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الحَسَنَةُ عَشرُ أَمثَالِهَا إلى سَبعِ مِئَة ضِعفٍ، قالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إلاَّ الصَّومَ فإنَّه لي وَأَنَا أَجزِي به، يَدَعُ شَهوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِن أَجلِي، لِلصَّائِمِ فَرحَتَانِ: فَرحَةٌ عِندَ فِطرِهِ، وَفَرحَةٌ عِندَ لِقَاءِ رَبِّهِ…» (رواه البخاري ومسلم).
تأمل في جمال الجزاء الذي أعده الله للأبرار الصابرين في سورة الإنسان:
> {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا * مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا * وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا * وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوارِيرَا * قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا * وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا * عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا * وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا * عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا * إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا} [الإنسان: 12-22].
الخاتمة: الدنيا متاع والآخرة دار القرار
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، واختموا شهركم بخير ما تقدرون عليه من العمل الصالح. داوموا على الطاعة، فإن وظيفة العبد في هذه الحياة هي العبادة المستمرة. احذروا أن تغركم الحياة الدنيا بزينتها، فهي متاع زائل، والآخرة هي دار القرار.
قال تعالى: {يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 39-40].
اجعلوا مسك الختام توبة نصوحاً، وحسن ظن بالرحمن، وعزماً على الاستمرار في درب الهداية، سائلين الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وأن يجعلنا من عتقائه من النار في هذا الشهر الكريم.


اترك تعليقاً