أفق الاجتهاد الحضاري: من ضيق الفروع إلى رحابة المقاصد وبناء الأمة
إن الشريعة الإسلامية الغراء، بمرونتها وحيويتها، لم تكن يوماً نصوصاً جامدة تُحبس في بطون الكتب، بل هي روح سارية في جسد الأمة، تُقوم عوجها وتدفعها نحو مراقي الفلاح. ومن هنا ينبثق الاجتهاد الحضاري كضرورة شرعية وواقعية، تتجاوز مجرد التدريس الأكاديمي في المحافل العلمية إلى تلاحم فاعل مع قضايا الدولة والمجتمع والإنسانية، ليكون الفقه أداة بناء لا مجرد مادة للحفظ.
الفقه كصناعة ثقيلة وبناء متكامل
إن حصر الفقه في دائرة تدريس المتون التراثية أو الحديثة هو قصر لنظره، وظلم لجوهر وظيفته؛ فالفقه في حقيقته هو علم (ديناميكي) متصل بحركة الحياة. إن تكوين الفقيه المجتهد يُعد من قبيل "الصناعة الثقيلة" التي تتطلب زمناً مديداً من التأهيل والتدريب، وصولاً إلى مرحلة الإنتاج الفقهي الرصين، سواء كان في صورة قرار مجمعي أو فتوى جماعية، وهو ما يفتقر إليه زماننا الذي قل فيه الفرسان المجتهدون.
إن هذا الإنتاج ليس نهاية المطاف، بل هو بداية لمراحل من الاختبار والتمحيص، تهدف إلى التأكد من مواءمة الاجتهاد لمقاصد الشريعة الإسلامية الكبرى والكلية والخاصة.
موازين الاجتهاد وضوابط الفتوى
لا يكفي الفقيه أن يستنبط حكماً، بل عليه أن يعرضه على ميزان النقد العلمي، فيكشف عن وجود اجتهادات مماثلة، ويميز بين المسائل الإجماعية والظنية، ويختبر صحة الإجماع المدعى. فكثير من المفتين قد يقعون في فخ إلحاق النوازل الجديدة بمسائل قديمة دون مراعاة لتبدل الأحوال، وهو مسلك حذر منه سدنة الشريعة.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى:
“من أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل،.. وهذا المفتي الجاهل أضر على أديان الناس وأبدانهم”.
لذا، فإن اختبار صحة الاجتهاد يكمن في مواءمته لمقاصد الشريعة؛ فإذا وافق المقاصد القطعية أو القريبة منها أُمضي، وإلا وجب إرجاع النظر فيه ليكون أكثر سداداً ومواءمة.
مقاصد الخطاب ومقاصد الأحكام
إن صيانة الاجتهاد تمر بمرحلتين دقيقتين:
- مقاصد الخطاب: وهي سابقة على استنباط الحكم، وتُعنى بفهم مراد الله سبحانه وتعالى من كلامه، ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم من حديثه، بعيداً عن السطحية في أخذ ببوادر الرأي.
- مقاصد الأحكام: وهي تلي استخراج الحكم، حيث يُقاس مدى توافقه مع المنظومة الكلية للشريعة وميزان المصالح والمفاسد.
وقد نبه العلماء إلى خطورة القصور في فهم مقاصد الخطاب، إذ إن اللفظ قد يُراد به غير ظاهره، والتقصير في إدراك القرائن يفسد الفهم من أساسه.
ركائز الاجتهاد الحضاري في مواجهة النوازل
لا نقصد بالاجتهاد الحضاري الخروج عن الدائرة التشريعية، بل هو اجتهاد فقهي يستصحب أدوات الفكر والعلوم الإنسانية والاجتماعية لتقديم خطاب شمولي. ومن أهم منطلقاته:
- أدلة وقوع الأحكام: وهي التي فرق بينها وبين أدلة المشروعية الإمام القرافي رحمه الله تعالى، مبيناً أن أدلة الوقوع غير محصورة وتتطلب فقهاً بالواقع.
- فقه المصالح والمفاسد: وهو جوهر الشريعة، حيث يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:
“…. القرآن وسنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مملوءان من تعليل الأحكام والمصالح وتعليل الخلق بها، … ولو كان هذا في القرآن والسنة في نحو مائة موضع أو مائتين لسقناهما، ولكنه يزيد على ألف موضع بطرق متنوعة”.
- اعتبار المآلات: وهو أصل دقيق لا يقوى عليه إلا العباقرة، فرب فعل مشروع في ظاهره يؤدي إلى مفسدة في مآله. وفي هذا يقول الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى:
“وهو مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب، جار على مقاصد الشريعة”.
- السياسة الشرعية: وهي التي عرفها ابن عقيل بأنها ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم أو ينزل به وحي، ما لم يخالف الشرع.
خاتمة: نحو نهضة فقهية حضارية
إن الأزمات التشريعية التي تعصف بالأمة اليوم تحتم على فقهائنا الانتقال من الاجتهاد الجزئي السطحي إلى الاجتهاد الحضاري الذي يستوعب المعطيات ويحقق مقاصد الاستخلاف. إن باب الاجتهاد لم يُغلق ولن يُغلق، ولكنه يُفتح فقط لمن ملك أدواته واستنار بنور الوحي وفهم مقاصد الشارع. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يقيض لهذه الأمة فقهاء يجمعون بين فقه النص وفقه الواقع، ليكون تشريعنا الإسلامي منارة هدى وبناء للإنسانية جمعاء.



اترك تعليقاً