ألف عام من الغفلة التاريخية: الرياضة في التراث الإسلامي ومنهاج بناء الإنسان
ثمة غفلة مطبقة، أو قل «أمنيزيا» تاريخية استمرت لألف عام، غيبت من ذاكرة الوعي الجمعي منجزات الحضارة الإسلامية، وما رافقها من حضارات شرقية، في الحقبة الممتدة بين عامي 700 و1700 للميلاد. إن نظمنا التعليمية المعاصرة، لاسيما في حقول العلوم والتقنية والرياضة، تمارس قفزةً اختزاليةً مخلة؛ إذ تعبر من النهضة الأوروبية مباشرة إلى العصور الرومانية والإغريقية، متجاهلةً قروناً من العطاء الإسلامي الذي وُصف زوراً بـ «العصور المظلمة»، وهو ما يرسخ عقدة استعلاء لدى الغرب، ويورث تبعيةً ونقصاً لدى الآخرين.
إن استعادة الوعي بمكانة الرياضة في التراث الإسلامي ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة لتحقيق التماسك الاجتماعي والاحترام المتبادل بين الثقافات، خاصة وأن النهضة الأوروبية ما كان لها أن تقوم لولا المعارف التي استقتها من الحواضر الإسلامية في الأندلس وغيرها.
مفهوم «الرياضة» في المنظور الإسلامي: تناغم الروح والجسد
لم تكن الرياضة في وعي المسلمين الأوائل مجرد لهو عابر، بل كانت علماً وفناً وتهذيباً. ومن اللطائف اللغوية أن كلمة «رياضة» في لسان العرب كانت تُطلق على علوم الرياضيات، كما استخدمها المتصوفة للدلالة على «مجاهدة النفس» وتدريبها. وهكذا اجتمعت في هذا المصطلح أبعاد ثلاثة:
- رياضة البدن: لتقويته على الطاعة والعمل.
- رياضة العقل: بالنظر والتفكر والحساب.
- رياضة الروح: بتزكيتها وكسر شهواتها.
وقد ارتبط السلوك الرياضي في الإسلام بمنظومة أخلاقية سامية، تجلت في الفروسية، والمروءة، والوفاء بالعهد، والسخاء.
الهدي النبوي في التربية البدنية
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم القدوة الأولى في تقدير القوة البدنية المقرونة بالإيمان. وتزخر السنة النبوية المطهرة بالأدلة التي تحض على النشاط البدني في إطار من المودة والمسؤولية.
عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر قالت: «سابقته فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني، فقال: هذه بتلك السبقة» (رواه أبو داود وصححه الألباني).
وفي توجيه الآباء لتربية الأبناء، ورد الأثر الشهير الذي يعكس شمولية التربية البدنية: «علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل». إن هذه الأنشطة لم تكن لمجرد التسلية، بل كانت إعداداً للفرد ليكون نافعاً لدينه ومجتمعه، قوياً في بدنه، حاضراً في وجدانه.
المبتكرات الرياضية في الحواضر الإسلامية
يجهل الكثيرون أن جذور ألعاب عالمية تعود إلى الشرق الإسلامي؛ فلعبه «الكريكت» التي تُعد رمزاً للثقافة البريطانية، نشأت في شمال الهند حوالي عام 700م وانتقلت غرباً عبر المسالك التجارية. وكذلك رياضة «البولو» التي كانت تُعرف بـ «الكرة والصولجان»، فقد أولاها المسلمون عناية فائقة في فارس وأفغانستان، وتظهر المخطوطات القديمة اشتراك الرجال والنساء في ممارستها.
وعندما فتح المسلمون الأندلس وصقلية وبلغوا القسطنطينية، أحدثوا ثورة أخلاقية في عالم الرياضة؛ حيث حظروا الرياضات التي تقوم على إيذاء النفس أو الحيوان، مثل صراعات «المجالدين» (Gladiators) الرومانية، انطلاقاً من المبدأ الشرعي: «لا ضرر ولا ضرار».
التميز المعاصر والسمت الإسلامي
في العصر الحديث، شهدنا صعوداً لافتاً للرياضيين والرياضيات من العالم الإسلامي في المحافل الأولمبية. وما يبعث على الفخر هو ذلك الثبات على الهوية، حيث برزت المرأة المسلمة وهي تنافس بحجابها، ملتزمةً بالضوابط الشرعية التي تحفظ العفة والوقار دون أن تعيق الإبداع. وخير مثال على ذلك ما حققته العداءة البحرينية رقية الغسرة في أولمبياد 2008، حيث أثبتت للعالم أن الالتزام بالستر لا يتنافى مع بلوغ منصات التتويج.
المخطوطات الرياضية: ريادة علمية مسبقة
لم يكتفِ المسلمون بالممارسة، بل قعدوا للرياضة علوماً. ويُعد الكتاب الذي وضعه «طيبغا الأشرفي البقلمشي اليوناني» حوالي عام 1368م، والمعروف بـ «غنية الطلاب في معرفة رمي النشاب» (أو Saracen Archery)، أقدم وأشمل دليل تعليمي في فنون الرماية، متفوقاً في دقته العلمية وتقنياته على كافة المخطوطات الغربية المعاصرة له.
الخاتمة
إن استحضار الرياضة في التراث الإسلامي هو استحضار لمنهج متكامل في بناء الإنسان؛ جسداً يشتد بالقوة، وعقلاً يستنير بالعلم، وروحاً تسمو بالخلق. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيد لأمتنا وعيها بإرثها، وأن يجعل قوتنا عوناً لنا على طاعته وإعلاء كلمته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.



اترك تعليقاً