أمانة المسؤولية ومتاهات القافزين في فراغ التخطيط

أمانة المسؤولية ومتاهات القافزين في فراغ التخطيط

أمانة المسؤولية ومتاهات القافزين في فراغ التخطيط

استهلال: في ميزان الأمانة

إنَّ قوامَ الأمم وصلاحَ المجتمعات رهينٌ بقيامِ كلِّ ذي شأنٍ بشأنه على وجهِ الأمانة والمسؤولية، فالمسؤولية في المنظور الإسلامي ليست تشريفاً يُنال، بل هي تكليفٌ يُسأل عنه العبد بين يدي الله سبحانه وتعالى. وإنَّ من أعظمِ الرزايا التي تُبتلى بها المؤسسات، تصدُّرُ من لا يملكُ بصيرةً بالواقع، ولا فقهاً بالمآلات، فيُهدرُ الجهودَ ويبددُ الأموالَ في مشاريعَ لا طائلَ من ورائها، كالذي يقفزُ في الفراغ، لا هدفاً أصاب، ولا أرضاً استقرَّ عليها.

حكاية الراعي والمستشار: حين يغيب الفقه بالواقع

تُروى حكايةٌ رمزيةٌ تحمل في طياتها حكمةً بالغةً؛ ففي وهاد أستراليا المترامية، حيث تتماوجُ قطعانُ الأغنامِ تحت شمسٍ لا تغيب، كان أحد الرعاةِ يرقبُ رزقَه بوقارِ أهلِ الأرض. وفجأةً، انشقَّ الأفقُ عن مركبةٍ فارهةٍ، ترجَّل منها رجلٌ تكسوه ملامحُ الحداثةِ والزهو، وعرضَ على الراعي عرضاً غريباً: أن يُحصيَ له عددَ خرافه بدقةٍ متناهيةٍ في دقائقَ معدوداتٍ، مقابلَ خروفٍ واحدٍ يختاره.

استعانَ الرجلُ بوسائلِ التقنيةِ الحديثةِ، واتصلَ بوكالاتِ الفضاءِ، واستجلبَ الصورَ من الأقمارِ الصناعيةِ، حتى قدّم للراعي أرقاماً صماءَ لا روحَ فيها. وعندما هَمَّ الرجلُ بالمغادرةِ مُنتشياً بـ "عبقريته" المزعومة، استوقفه الراعي بسؤالٍ فطريٍّ: "هل تعملُ مستشاراً؟"، فلما أجاب بالإيجاب، قال له الراعي بلسانِ التجربةِ والحكمة: "لقد أعطيتني معلومةً لا تُقدّمُ ولا تؤخّرُ في جوهرِ عملي، وأخذتَ أجراً على ما لا تملكُ علماً به.. والآن، هل لي أن أستردَّ كلبي الذي حسبتَه خروفاً؟! ".

القفز في الفراغ: تبديد المقدرات وغياب الغايات

إنَّ هذا المشهدَ يتكررُ بصورٍ شتى في واقعنا المعاصر؛ فـ "القافزُ في الفراغ" كما وصفه أحد الأدباء، هو ذاك الذي يتحركُ بلا بوصلة، ويخططُ بلا غايةٍ واضحةٍ، فلا هو يُحاسَبُ على فشلٍ، ولا هو يُعرفُ له نجاحٌ. هؤلاء هم الذين يتبنَّون مبادراتٍ برّاقةً في ظاهرها، خاويةً في جوهرها، تستنزفُ بيتَ مالِ المسلمين ومواردَ الأمةِ، ثم ما تلبثُ أن تذروها الرياحُ بمجردِ رحيلِ صاحبها عن منصبه، لأنها لم تُؤسس على تقوى من اللهِ ورضوان، ولم تراعِ المصلحةَ العامةَ الحقيقية.

المنهج الشرعي في تدبير الشؤون

لقد وضع الإسلامُ ضوابطَ صارمةً لتولي المهامِ وتدبيرِ الشؤون، تقومُ على ركنينِ مكينين: القوةُ والعلم، والأمانةُ والصدق. يقولُ اللهُ سبحانه وتعالى في محكمِ التنزيل: "إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ" (القصص: 26). فالقوةُ هنا هي الكفاءةُ العلميةُ والعمليةُ، والأمانةُ هي الوازعُ الدينيُّ والخلقيُّ الذي يمنعُ الإنسانَ من العبثِ بمقدراتِ الناس.

وعن عظمةِ الإتقانِ وضرورةِ الإحسانِ في العمل، يقولُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه". والإتقانُ لا يكونُ إلا بالدراسةِ الوافيةِ، والتخطيطِ السليمِ، ووضعِ الرجلِ المناسبِ في المكانِ المناسبِ، بعيداً عن بهرجِ الألقابِ وزخرفِ القول.

ثمرات الرشاد في العمل المؤسسي

إنَّ الالتزامَ بالمنهجِ العلميِّ والشرعيِّ في الإدارةِ يثمرُ فوائدَ جليلةً، منها:

  • حفظُ الأمانة: صيانةُ المواردِ العامةِ من الهدرِ والضياع.
  • الاستدامة: بقاءُ أثرِ المشاريعِ ونفعها للأجيالِ القادمة.
  • المسؤولية: القدرةُ على قياسِ الأداءِ ومحاسبةِ المقصرِ ومكافأةِ المحسن.
  • البركة: حلولُ التوفيقِ الإلهيِّ في العملِ الذي يُبتغى به وجهُ الله سبحانه وتعالى.

خاتمة: دعاء واستبصار

ختاماً، إنَّ عمارةَ الأرضِ لا تكونُ بالقفزِ في فراغِ الأوهام، بل بالاستمساكِ بحبلِ الحقِّ واليقين، وإسنادِ الأمرِ إلى أهلهِ ممن يخشون اللهَ عز وجل في السرِّ والعلن. فاللهمَّ استعملنا في طاعتِك، ووفقنا لأداءِ الأمانةِ على الوجهِ الذي يرضيكَ عنا، واجعل أعمالنا خالصةً لوجهِك الكريم، نافعةً لعبادِك المؤمنين. وصلِّ اللهمَّ وسلمْ على نبينا محمدٍ وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *