مقدمة: في رحاب العدل الإلهي المطلق
إن قضية أهل الفترة—وهم الذين لم تبلغهم دعوة نبي ولم تدركهم رسالة سماوية—تعد من أدق المسائل العقدية التي تجلى فيها كمال العدل الإلهي ورحمته التي وسعت كل شيء. فكيف يقضي الحق سبحانه وتعالى في عبادٍ لم يطرق أسماعهم نداء الإسلام، ولم يتبينوا معالم النبوات السابقة؟ إن البحث في هذا المقام ليس مجرد ترف فكري، بل هو استجلاء لمقتضيات الحكمة الربانية التي قامت عليها السماوات والأرض.
الحجة الرسالية وقاعدة عدم التعذيب قبل البيان
أفاض فضيلة الشيخ أحمد كوتي، الباحث والمفكر الإسلامي بمعهد تورنتو بكندا، ببيانٍ شافٍ في هذا الصدد، حيث أكد أن الرسالة الإلهية هي الحجة التي يترتب عليها الثواب والعقاب. وبناءً على ما تضافر من الآيات القرآنية، ذهب جهابذة العلم—وعلى رأسهم الإمام الغزالي رحمه الله—إلى أن الذين لم يبلغهم نبأ النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا يقع عليهم عذاب لعدم إيمانهم بما لم يعلموا.
إن مجازاة أقوامٍ على رفض رسالة لم تصلهم أصلاً يتنافى مع كمال العدل الإلهي، وهو ما قرره القرآن الكريم بعبارة صريحة لا تحتمل التأويل في قوله عز وجل:
"وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا" (الإسراء: 15).
مقتضيات الفطرة والمسؤولية الأخلاقية
بيد أن نفي العذاب عن أهل الفترة لعدم بلوغ الرسالة المحمدية لا يعني إعفاءهم المطلق من كل تبعة، فالإنسان محجوج بفطرته التي فطر الله الناس عليها. وفي هذا السياق، نجد المعالم التالية:
- عالمية البلاغ: أخبرنا الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله أنه أرسل في كل أمة رسولاً بلسان قومه ليهديهم سبل السلام.
- نداء الفطرة: غرس الله في النفس البشرية إدراكاً فطرياً للخير والشر، فكل إنسان مسؤول عن تزكية فضائله والترفع عن الرذائل التي تنفر منها طبيعته السوية.
- الشهادة الوجودية: كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا" (الشمس: 7-9).
وعليه، فإن مصير من لم تبلغهم دعوة المصطفى صلى الله عليه وسلم مرده إلى حكم الله فيهم بناءً على ما وصلهم من هدي الأنبياء السابقين، ومدى استجابتهم لداعي الفطرة والتمييز بين الحق والباطل المودع في جبلتهم.
وحدة الجوهر وتعدد الشرائع
إن الأمم التي سبقت بزوغ فجر الإسلام لم تكن ملزمة بتفاصيل الشريعة الإسلامية، وإن كانت كل الرسالات تشترك في أصل التوحيد والاستسلام لله عز وجل، وهو جوهر الإسلام بمعناه العام. فكل أمة كانت مطالبة باتباع الصراط الذي رسمه لها نبيها في زمانها.
تباين أنظار العلماء في أهل الفترة
يوضح الشيخ عطية صقر، رئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشريف سابقاً، أن العلماء قد تباينت مشاربهم في حكم من لم تدركهم دعوة نبي:
- فريق يرى وجوب النظر: ذهب بعض العلماء إلى أن العقل وسيلة لإدراك وجود الخالق، فمن أعمل فكره في ملكوت الله وتوصل إلى توحيده نجا، ومن أشرك أو جحد رغم وضوح الدلائل الكونية هلك.
- فريق يرى توقف التكليف على البلاغ: وهو مذهب الجمهور الذي يرى أن التكليف والالتزام بالشرائع لا يثبت إلا بمجيء الرسل، مستندين إلى قوله سبحانه وتعالى: "وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا" (الإسراء: 15).
أما من آمن بالرسالات السابقة التي بلغتهم قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فهم من أهل الجنة، وأما من جحدها وكفر بها بعد قيام الحجة عليه، فمصيره الخسران.
خاتمة: تفويض الأمر لعلام الغيوب
ختاماً، ينبغي للمسلم أن يدرك أن الخوض في مآلات الخلق وتفاصيل حسابهم هو من شأن الخالق سبحانه وتعالى وحده، وليس ذلك مما ينبني عليه عمل أو يترتب عليه ركن من أركان الدين التي يجب الانشغال بها. إن قضية أهل الفترة تظل شاهدة على أن الله عز وجل لا يظلم مثقال ذرة، وأنه سبحانه سيحاسب كل نفس بما آتاها.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين، يا عدل يا رحيم.



اترك تعليقاً