أولويات الإعلام المعاصر في ميزان مقاصد الشريعة: رؤية تأصيلية لنهضة الأمة
لقد أضحى العالم في واقعنا المعاصر بفضل الثورة التقنية في الاتصال والتواصل أشبه بقرية صغيرة، بَيْدَ أن هذا التقارب التقني منح النظام الغربي مكنةً لبسط هيمنته على فضاء الإعلام، مبتكراً أدواتٍ غلبت فيها المادة على الروح، والدنيا على الآخرة. إن هذا الواقع يحتم على حملة الفكرة الإسلامية والقائمين على إعلامها إعادة النظر في أولويات الخطاب، لا سيما مع تصاعد الحملات المعادية لقطعيات الدين. إن الولوج إلى دراسة الإعلام من منظور مقاصد الشريعة في الإعلام ليس ترفاً معرفياً، بل هو ضرورة منهجية لاستعادة ريادة الأمة وشهودها الحضاري.
فقه الأولويات: المفهوم والمقتضى الشرعي
إن فقه الأولويات هو العلم الذي تستبان به مراتب الأحكام، وتمتاز به المصالح عن المفاسد، وبموجبه يقدم ما حقه التقديم ويؤخر ما حقه التأخير. وقد عرفه العلامة يوسف القرضاوي بقوله: "إن فقه الأولويات هو وضع كل شيء في مرتبته بالعدل من الأحكام والقيم والأعمال، ثم يقدم الأولى فالأولى، بناء على معايير شرعية صحيحة يهدي إليها نور الوحي ونور العقل".
وعرفه الدكتور محمد همام ملحم بأنه: "العلم بمراتب الأعمال ودرجات أحقيتها في تقديم بعضها على بعض المستنبط من الأدلة ومعقولها ومقاصدها". ومن هنا، فإن فقه الأولويات في الإعلام هو العلم بمراتب الخطاب ودرجة أحقيته في التقديم والتأخير، ليتسق مقصد المكلف مع موازين العدل الإلهي.
بين ترتيب الأجندة الغربي وفقه المقاصد الإسلامي
تعرف النظريات الإعلامية المعاصرة ما يسمى بـ "ترتيب الأولويات" أو "وضع الأجندة"، ومفادها أن وسائل الإعلام لا تقول للناس كيف يفكرون، بل في ماذا يفكرون. إلا أن هذه النظريات تفتقر إلى المعيارية الأخلاقية والشرعية، حيث تحيل المعايير إلى سياسات التحرير الذاتية. وهنا تتجلى عبقرية الفكر الإسلامي في تقديم مقاصد الشريعة في الإعلام كمنهج معياري منضبط يحدد القضايا الأحق بالإظهار، والمصالح الأجدر بالرعاية، وفق ميزان الوحي لا الهوى.
الأدلة الشرعية على مراتب الخطاب والإعلام
لقد اعتمدت الشريعة الغراء النظر الأولوي في الخطاب، وتنوعت الشواهد بين بيان مراتب الحسن والقبح، وتقديم الفاضل على المفضول:
أولاً: من القرآن الكريم
- في بيان أحسن القول: قال الله عز وجل: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّني مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33].
- في ترجيح الأحسن عند التزاحم: قال سبحانه وتعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} [الإسراء: 53].
- في ضبط المصطلحات الإعلامية: قال عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا} [البقرة: 104].
ثانياً: من السنة النبوية والتجربة الراشدة
- في توجيه الخطاب الإعلامي الهجومي: قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت رضي الله عنه: "اهجهم – أو هاجهم وجبريل معك".
- في رعاية التدرج والمكان: كان النبي صلى الله عليه وسلم يراعي مقتضى الحال في خطبه، فقدم النذارة في مكة، وفصل الأحكام في المدينة، ووصى بالحقوق الكلية في خطبة الوداع.
- في السياسة الإعلامية الراشدة: تجلى فقه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أولوية التأريخ بالهجرة النبوية لتميز الشخصية الإسلامية.
القواعد المقاصدية الحاكمة للإعلام المعاصر
ينقسم النظر المقاصدي في الإعلام إلى مراتب تضبط حركة الخطاب وتوجهه نحو تحقيق الصلاح العام:
- مراتب المصالح: يجب تقديم الضروريات (كحفظ الدين والنفس) على الحاجيات والتحسينات. فلا ينشغل الإعلام بالكماليات والترف الفكري بينما أصول الدين تتعرض للهدم.
- الكليات الخمس:
- حفظ الدين: بالرد على الإلحاد والشبهات.
- حفظ النفس: بتناول حقوق الإنسان وكرامته.
- حفظ العقل: بنشر العلم ومحاربة الأمية الفكرية.
- حفظ النسل: بحماية كيان الأسرة من التفكك.
- حفظ المال: بالتوعية الاقتصادية ومحاربة الفساد.
- العموم والخصوص: تقدم المصلحة العامة للأمة على المصالح الفئوية أو الخاصة عند التعارض.
فقه الوسائل ومآلات الخطاب الإعلامي
إن وسائل الإعلام هي "وسائل" لها أحكام المقاصد التي تفضي إليها. ومن القواعد المقررة في هذا الباب:
- الوسائل تسقط بسقوط المقاصد: فلا جدوى من وسيلة إعلامية لا تحقق أثراً أو ينفض عنها الجمهور.
- أولوية قوة الإفضاء: يجب اختيار الوسيلة الأكثر تأثيراً ونفاذاً (كالإعلام الرقمي اليوم) لتحقيق المقصد الشرعي.
- اعتبار المآل: قد يكون القول حقاً في ذاته، لكن نشره في وسيلة إعلامية قد يؤول إلى مفسدة أعظم، وهنا يجب الكف عنه إعمالاً لقاعدة سد الذرائع، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108].
خاتمة
إن إعمال علم المقاصد في المجال الإعلامي ليس مجرد خيار فني، بل هو فريضة وقتية لترشيد الفكرة الإسلامية. إننا ندعو الباحثين والمؤسسات الإعلامية إلى صياغة إستراتيجيات تبنى على فقه الأولويات، لتنتقل بالأمة من مرحلة الاستهلاك الإعلامي إلى مرحلة الشهود والريادة. نسأل الله عز وجل أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد، يُعز فيه أهل طاعته، ويُستنار فيه بنور وحيه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.



اترك تعليقاً