يتسبب إغلاق مضيق هرمز في خنق إمدادات العالم من المواد الخام اللازمة لصناعة الأسمدة، مما يثير مخاوف جدية بشأن ارتفاع أسعار الغذاء ونقص المعروض العالمي. ومع استمرار التوترات الجيوسياسية، يواجه قطاع الزراعة العالمي تحدياً غير مسبوق يهدد استقرار سلاسل الإمداد الغذائية من الحقل إلى المائدة.
مضيق هرمز: شريان الحياة للأسمدة العالمية
يُعد مضيق هرمز، الممر المائي الضيق الذي لا يتجاوز عرضه 30 ميلاً عند أضيق نقطة بين شبه جزيرة مسندم العمانية وإيران، شرياناً حيوياً لا غنى عنه. فما يقرب من نصف صادرات المواد الخام للأسمدة — مثل اليوريا، والأمونيا، والكبريت، والهيدروجين، والغاز الطبيعي، والنيتروجين — تمر عبر هذا المضيق. وبحسب “فيرونيكا نيغ”، كبيرة الاقتصاديين في معهد الأسمدة، فإن حوالي نصف إنتاج الغذاء العالمي يعتمد بشكل مباشر على هذه الأسمدة، مما يجعله عنصراً حيوياً للأمن الغذائي في الولايات المتحدة والعالم أجمع.
المزارعون في مواجهة العاصفة
يتزامن هذا الإغلاق مع ذروة نشاط المزارعين في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، حيث يضغط عامل الوقت لزراعة المحاصيل مع بدء ذوبان الثلوج. ومع ذلك، فإن تعطل الملاحة في المضيق أدى إلى ارتباك شديد؛ إذ لم يقم نحو ربع المزارعين الأمريكيين بتثبيت أسعار الأسمدة في الخريف الماضي، وهم الآن يسعون جاهدين لتغطية التكاليف المرتفعة الناتجة عن أزمة لم تكن في الحسبان. كل يوم يظل فيه المضيق مغلقاً يمدد أمد الأزمة أسبوعاً إضافياً في موسم الزراعة الربيعي الحرج.
يصف ديفيد أورتيجا، خبير الاقتصاد الزراعي والأستاذ بجامعة ميشيغان، الوضع قائلاً: “هذه أزمة غذاء بطيئة الحركة قيد التشكل”. ووفقاً لبيانات الجمعية الدولية للمنتجات الطازجة، فإن صدمة الأسمدة قد تؤدي إلى زيادة تتراوح بين 1% إلى 3% في أسعار المواد الغذائية في المتاجر، وصولاً إلى نقص في الأغذية الطازجة حول العالم.
تفاقم التكاليف وتعثر الحلول الدبلوماسية
رغم الجهود الدبلوماسية، لا يزال الممر المائي يشهد توتراً كبيراً. فبعد اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار وإعادة فتح المضيق، عادت الإغلاقات مجدداً، مما أدى إلى توقف حركة السفن بشكل كامل. هذا الواقع دفع المزارعين إلى حالة من القلق الشديد؛ حيث ارتفعت أسعار أسمدة النيتروجين محلياً بنسبة تتجاوز 35%، بينما زادت أسعار أسمدة الفوسفور بنسبة 19%.
هذه الزيادات ليست مجرد أرقام، بل تترجم إلى خسائر بعشرات الآلاف من الدولارات لكل مزارع، مما يستنزف الأرباح التي تضررت بالفعل بسبب ارتفاع تكاليف الوقود، والتغيرات المناخية، والرسوم الجمركية. وفي غضون الأسابيع الأربعة الماضية فقط، قفزت أسعار الأسمدة في الولايات المتحدة بنسبة تتراوح بين 30% إلى 40%.
الارتباط الوثيق بين الطاقة والغذاء
تعتمد صناعة أسمدة النيتروجين بشكل أساسي على عملية “هابر-بوش” التي تعود لأكثر من قرن، وهي عملية تعتمد بكثافة على الغاز الطبيعي المسال (LNG). تستهلك هذه العملية سنوياً ما بين 3% إلى 5% من مخزونات الغاز الطبيعي العالمية، وتعمل بكفاءة فقط عندما يكون الغاز رخيصاً. ومع ارتفاع العقود الآجلة للغاز الطبيعي بنسبة 10% في الولايات المتحدة وتضاعفها في أوروبا وآسيا منذ بدء الأزمة، أصبح إنتاج الأسمدة عبئاً اقتصادياً ثقيلاً.
يؤكد الخبراء أن حوالي 1.8 مليار شخص حول العالم يعتمدون على الغاز الطبيعي والأسمدة المستوردة للبقاء على قيد الحياة. ورغم المحاولات السياسية لتمويل إنتاج “الأمونيا الخضراء والزرقاء” كبدائل أنظف، إلا أن هذه المرافق لم تدخل الخدمة بعد، مما يترك العالم عرضة للصدمات الحالية دون بدائل جاهزة.
تداعيات طويلة المدى على المستهلك
عادة ما تظهر آثار صدمات الأسمدة على المستهلكين مع وجود فجوة زمنية، لأنها تؤثر في البداية على ما يزرعه الفلاحون وكمية الإنتاج. ومن المتوقع أن يظهر التأثير الأكبر في وقت لاحق من هذا العام، وقد يصبح أكثر وضوحاً في شتاء عام 2027. الخطر الأكبر لا يكمن فقط في التكاليف، بل في تغيير سلوك المزارعين؛ فاستخدام كميات أقل من الأسمدة يعني إنتاجية أقل، ما قد يدفعهم لتغيير المحاصيل أو تقليل المساحات المزروعة، وهو ما يؤدي حتماً إلى تضخم أسعار الغذاء ورفوف فارغة في المتاجر.
يختتم ديفيد أورتيجا بالقول: “إن حقيقة تدفق ثلث أسمدة العالم عبر منطقة محددة معرضة للنزاع هي ثغرة أمنية لا يمكننا تجاهلها. علينا بناء المرونة في سلاسل إمداد المدخلات الزراعية لمواجهة مثل هذه الصدمات في المستقبل”.
المصدر: The Verge



اترك تعليقاً