الاستجابة لله ولرسوله: ميزان حياة القلوب وسبيل الرشاد
إن من أعظم دلائل التوفيق، وأجلى أمارات السداد التي يمنّ بها الله سبحانه وتعالى على عبده، هي تلك المسارعة في الاستجابة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. فهذا الانقياد المطلق، والامتثال العميق، ليس مجرد طقوسٍ ظاهرة، بل هو تجلٍّ لخشوع الباطن والظاهر، وإذعانٌ تامٌّ لأوامر الله سبحانه وتعالى، واجتنابٌ لزواجره، وتسليمٌ لا تشوبه شائبة.
الاستجابة: البرهان الأسمى على حياة القلوب
إن المبادرة إلى تلبية النداء الإلهي هي المعيار الحقيقي الذي وضعه الخالق لقياس حيوية الروح؛ فالله سبحانه وتعالى جعل هذه الاستجابة هي الفارق الجوهري بين الأحياء والأموات معنوياً. فمن سدَّ أذن قلبه عن النداء، فهو في عِداد الموتى وإن دبَّ على الأرض. يقول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل:
"إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ" (الأنعام: 36).
إن جموعاً غفيرة تطرق مسامعها آيات الحق، ويعلمون ما أحل الله وما حرّم، لكنهم يقفون عند حدود السماع المادي الذي لا يجاوز الآذان. هؤلاء أشبه بالجمادات التي تسمع صوتاً ولا تعقله، أما الحياة الحقيقية فهي تلك التي تُترجم السماع إلى عمل، واليقين إلى حركة.
من ظلمات العدم إلى أنوار الوجود
كان المرء قبل أن يشرق نور الهداية في قلبه ميتاً في تيه الغواية، فجاء الوحي ليحييه ويخرجه من ظلمات الجهل إلى ضياء اليقين. يقول الله عز وجل:
"أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا" (الأنعام: 122).
فالمؤمن بالاستجابة يولد ولادة جديدة، فيبصر بنور الله سبحانه وتعالى ما لا يراه المتخبطون في دياجير الضلال.
الاستجابة: جوهر الحياة الطيبة
لا يمكن للمرء أن يتذوق طعم السكينة، أو يستشعر برد اليقين، إلا في ظلال الامتثال للشريعة الغراء. فالشريعة لم تأتِ لتضييق الخناق، بل لتمنح الإنسان حياةً نقية متوازنة. يقول الله سبحانه وتعالى آمراً عباده:
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ" (الأنفال: 24).
دروس مستفادة من مفهوم الاستجابة:
- الامتثال الفوري: المؤمن لا يتردد ولا يضع شروطاً أمام النص الشرعي.
- التسليم القلبي: اليقين بأن في أمر الله سبحانه وتعالى مصلحة محضة وإن غابت عن مداركنا.
- الحياة الروحية: الاستجابة هي الوقود الذي يبقي القلب نابضاً بالإيمان.
عاقبة الإعراض وتعطيل المدارك
إن الذين يعرضون عن الوحي يسلبون أنفسهم أسمى خصائص الإنسانية، فيتحولون إلى كائنات معطلة المدارك. وصفهم الله سبحانه وتعالى بقوله:
"وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ" (الأعراف: 179).
فمن لا ينتفع بسمعه وبصره في إدراك الحق، فهو أضل من الأنعام؛ لأن الحيوان لا يملك عقلاً يميز به، أما الإنسان فقد أُعطي الأدوات وعطّلها إعراضاً واستكباراً.
الهوى: الحجاب المانع عن الرشاد
إن العائق الأكبر أمام الاستجابة لله ولرسوله هو اتباع الهوى. فالهوى يعمي البصيرة ويصمّ الآذان عن نداء الحق. وقد حذر الله سبحانه وتعالى نبيه داوود عليه السلام قائلاً:
"يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ" (ص: 26).
كما أكد الله سبحانه وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن الإعراض ليس نتاج نقص في الحجة، بل هو محض اتباع للرغبات النفسية:
"فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ" (القصص: 50).
الفرق بين صدود المنافقين وتسليم المؤمنين
بينما يتذرع المنافقون بالأعذار الواهية للتهرب من تكاليف الشريعة، كما قال الله سبحانه وتعالى:
"وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا" (النساء: 61).
نجد المؤمنين الصادقين لا يعرفون إلا لغة واحدة أمام النداء الإلهي، وهي اللغة التي خلّدها القرآن الكريم:
"إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا" (النور: 51).
خاتمة وتذكرة
إن الفلاح الحقيقي، والنجاة السرمدية، تكمن في تقديم مراد الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم على كل مراد. فاتقِ الله أيها العبد، واجعل من استجابتك للوحي منارةً تضيء لك دروب الحياة، فما قيمة السمع والبصر إن لم يقدماك زلفى إلى خالقك؟ اللهم أحيِ قلوبنا بالاستجابة لك، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.



اترك تعليقاً