إنَّ المتأمّل في واقعِنا المعاصر يلحظُ جنوحاً لدى البعضِ نحو استخدامِ العنفِ وسيلةً لتقويمِ السلوك، متذرّعين بذرائعَ واهيةٍ تحت مسمّى "التربية"، ومُدّعين أنَّ القسوةَ سبيلٌ للإصلاح. بيدَ أنَّ الرفق في تربية الأبناء هو الجوهرُ الأصيلُ الذي قامت عليه دعائمُ الشريعةِ الغرّاء، فما كان العنفُ يوماً منهجاً نبوياً، ولا كانت الغلظةُ سبيلاً للهداية. إنَّ لجوءَ بعضِ المربّين إلى التفريغِ عن غضبِهم في أجسادِ الصغارِ الضعيفةِ يعكسُ عجزاً تربوياً لا يمتُّ بصلةٍ إلى تعاليمِ الإسلامِ السمحةِ التي جعلت من الرحمةِ أساساً لكلِّ بناءٍ إنسانيّ.
تهافت الذرائع: هل الضرب وسيلة تعليمية؟
يؤكدُ العلماءُ والباحثون في الشريعةِ الإسلاميةِ أنَّ التذرّعَ بالضربِ كأداةٍ بيداغوجيةٍ هو خروجٌ عن الجادةِ. وفي هذا السياق، يوضحُ الشيخ أحمد كوتي، المحاضر والمتخصص في العلوم الإسلامية بالمعهد الإسلامي في تورنتو بكندا، أنَّه:
"لا يوجد أي حديث من هذا النوع يُعتبر صحيحاً. علاوةً على ذلك، فإنَّ اللجوء إلى العقاب البدني كوسيلة للتعليم لم يكن أبداً جزءاً من ممارسات النبي صلى الله عليه وسلم".
إنَّ استقراءَ السيرةِ العطرةِ يكشفُ لنا أنَّ الصحابةَ رضوان الله عليهم أجمعين قد أجمعوا على أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان خيرَ معلّمٍ للبشرية، حيث كان يغرسُ القيمَ في نفوسِ الرجالِ والنساء، والشبابِ والشيوخ، معتمداً في ذلك على القدوةِ الحسنةِ والبيانِ العمليِّ الرقيق.
شهادات من بيت النبوة: المنهج الأخلاقي الأسمى
لم يكن النبيُّ صلى الله عليه وسلم يوماً فظاً ولا غليظَ القلب، بل كان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً. وتنقلُ لنا أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وهي ألصقُ الناسِ به وأعلمُهم بخصاله في بيته، فتقول:
- "ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده، ولا امرأة، ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله…"
هذا النصُّ القاطعُ يقطعُ الطريقَ على كلِّ من يحاولُ شرعنةَ العنفِ ضدَّ الأطفالِ أو الضعفاء، ويؤكدُ أنَّ اليدَ التي كانت تمتدُّ بالخيرِ والبركةِ لم تكن لتمتدَّ بالأذى أو الضربِ.
دروس مستفادة من عشر سنين في كنف المصطفى
تتجلى قمةُ الرقيِّ في الرفق في تربية الأبناء من خلالِ شهادةِ أنس بن مالك رضي الله عنه، الذي خدم النبيَّ صلى الله عليه وسلم منذ نعومةِ أظفاره، حيث قال:
- "خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي: أف قط، ولا قال لشيء صنعته: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته؟"
هذه الشهادةُ ليست مجردَ سردٍ تاريخي، بل هي دستورٌ تربويٌّ متكاملٌ يبيّنُ كيف يمكنُ للتعليمِ أن يُبنى على التغافلِ الكريمِ، والرفقِ الحكيم، بعيداً عن التهديدِ والتقريع.
نحو منهج تربوي إسلامي سليم
ختاماً، إنَّ الواجبَ الشرعيَّ والأخلاقيَّ يقتضي منّا نبذَ أساليبِ الضربِ والتعنيفِ في تربيةِ ناشئتنا، والارتقاءَ بأساليبِنا التعليميةِ لتكونَ مرآةً صادقةً للهديِ النبويِّ. إنَّ الاقتداءَ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم يتطلبُ صبراً وعلماً وحكمةً، وهي أدواتٌ أمضى أثراً من أيِّ سوطٍ أو زجر.
ولمن أراد الاستزادةَ في فقهِ الأخلاقِ النبوية، نوصي بمطالعةِ كتابِ الإمامِ البخاريِّ الفذّ "الأدب المفرد"، الذي يُعدُّ نبراساً في فقهِ التعاملِ والتربيةِ الإسلاميةِ الرفيعة.
اللهم اهدنا لأحسنِ الأخلاقِ، لا يهدي لأحسنِها إلا أنت، واصرف عنّا سيئَها، لا يصرفُ عنّا سيئَها إلا أنت، واجعلنا لمربّينا وقدواتنا خيرَ خلفٍ لخيرِ سلف.



اترك تعليقاً