السمت النبوي في حسن العشرة: تجليات المودة والرحمة في بيت النبوة

السمت النبوي في حسن العشرة: تجليات المودة والرحمة في بيت النبوة

مقدمة: في رحاب الميثاق الغليظ

تتباين أنظار الورى في فقه الحقوق والواجبات داخل الكيان الأسري؛ فمنهم من يحبس العلاقة الزوجية في أطرٍ ميكانيكية جافة، كأنها تعاملات بين جمادات لا روح فيها، ومنهم من يختزلها في عاطفة هوائية محضة، تتقلب بتقلب الوجدان وتذبل بذبول المشاعر، فإذا ما نضب مَعين الهوى، تصدع بنيان الاحترام وانهارت صروح الحقوق. بيد أن الحق الأبلج يكمن في تلك الصورة السنية التي رسمها الإسلام، حين جعل عقد الزواج ميثاقاً غليظاً، تنمو وشائجه بالحقوق المتبادلة، وتزكو ثمارُه بجميل الصبر وحسن عشرة النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته التي غدت مناراً يستضاء به في ظلمات الشقاق.

العشرة بالمعروف: أصلٌ شرعي ومقصدٌ إنساني

تنبثق المعاملة الراقية في الهدي النبوي من مشكاة قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ﴾؛ وهذا المعروف ليس مجرد كفٍّ للأذى، بل هو تلاقٍ للأرواح في مرافئ السكينة. إن أصحاب النفوس الزكية هم الذين يستمسكون بعروة الخلق الحسن حتى في أحلك الظروف، فالمعدن الحقيقي للإنسان ينجلي حين يواجه ما يكدر صفوه من شريك حياته. فهل يقابل السيئة بمثلها، أم يدفع بالتي هي أحسن؟ إن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وهذا المرتقى الصعب يتطلب صبراً جميلاً وقوة إيمانية هائلة، مصداقاً لقوله عز وجل: ﴿وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ﴾ [فصلت: 35].

ويجدر بنا الوقوف عند لفتةٍ بارعة للشيخ رشيد رضا، حيث بيّن أن العشرة بالمعروف ليست تكليفاً أحادياً، بل هي شركةٌ وجدانية، إذ يقول: «وَفِي الْمُعَاشَرَةِ مَعْنَى الْمُشَارَكَةِ وَالْمُسَاوَاةِ، أَيْ عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيُعَاشِرْنَكُمْ كَذَلِكَ، .. وَالْغَرَضُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَدْعَاةَ سُرُورِ الْآخَرِ، وَسَبَبَ هَنَائِهِ فِي مَعِيشَتِهِ». فكل معروفٍ يُطالب به الرجل، هو في حق المرأة عبادةٌ وقربة ترفع درجاتها وتصلح بها شأن المجتمع.

معالم الأدب النبوي في التعامل الزوجي

تتعدد صور الإحسان في مدرسة النبوة، ويمكن إجمال أبرزها في النقاط التالية:

  • بشاشة الوجه ولين الجانب: إذا كان التبسم في وجه الغريب صدقة، فكيف به في وجه شريك العمر؟ إن لين الجانب يصنع المعجزات، وقد قال سبحانه وتعالى في شأن نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ [آل عمران: 159].
  • كف الأذى وسعة الصدر: إن احتمال الهفوات شيمة الكرام، فمن ذا الذي ما ساء قط؟ والتغافل عن الصغائر دليلٌ على كمال العقل، وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه «كان يتغافل عما لا يشتهي».
  • المشاركة في أعباء المنزل: لم تكن عظمة النبوة حائلة دون خدمة الأهل، فقد قالت عائشة رضي الله عنها: «كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ».
  • التلطف في النداء والحوار: كان صلى الله عليه وسلم ينادي عائشة رضي الله عنها بلقب التدليل «يا عائش»، ويمنحها من وقته للحديث والسمر، فقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: «فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللهِ – صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ».

رهافة الحس ومراعاة الفطرة الإنسانية

إن المتأمل في السيرة العطرة يجد قلباً نبوياً يفيض رقةً؛ فقد راعى صلى الله عليه وسلم صغر سن عائشة رضي الله عنها وحبها للعب، فكان «يُسَرِّبُ إِلَى عائشة بِنَاتِ الْأَنْصَارِ يَلْعَبْنَ مَعَهَا». بل كان يشاركها وجدانياً في أدق تفاصيلها، فكان «إِذَا شَرِبَتْ مِنَ الْإِنَاءِ أَخَذَهُ فَوَضَعَ فَمَهُ فِي مَوْضِعِ فَمِهَا وَشَرِبَ».

ولم يقتصر لطفه على الملاطفة، بل شمل الترفيه المباح، حيث سابقها في السفر، وأتاح لها رؤية الحبشة وهم يلعبون في المسجد وهي متكئة على منكبيه الشريفين، في صورةٍ تجسد أسمى معاني الاحتواء. وكان صلى الله عليه وسلم يقيم قسطاس العدل بين نسائه، فيطوف عليهن جميعاً ليستقرئ أحوالهن، ويخص صاحبة النوبة بليلته، دون أن يفضل إحداهن على الأخرى في المبيت.

خاتمة: الميزان النبوي للرجولة

إن حسن العشرة ليس ترفاً فكرياً، بل هو ثمرة قلب طاهر يبتغي مرضاة الله عز وجل. لقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم تعامل الرجل مع أهله هو المعيار الحقيقي لخيريته وفضله، فقال صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي». فليكن لنا في رسول الله أسوة حسنة، لنعيد للبيوت سكينتها، وللقلوب طمأنينتها، سائلين المولى سبحانه وتعالى أن يوفقنا للتخلق بأخلاق نبيه، وأن يجعل بيوت المسلمين واحاتٍ للمودة والرحمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *