مقدمة: بيعة الدم وعقد الخلود
إن الشهيد في ميزان الإسلام ليس مجرد راحلٍ عن الدنيا، بل هو بطلٌ بَايَع رَبَّه على أثمن ما يملك؛ باعه روحه في سبيل إعلاء كلمة الله. هذه البيعة التي سطرها القرآن الكريم في قوله تعالى: {فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ}، وقوله: {فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ}، هي تجارة رابحة استحق أصحابها مرضاة الله وجنته. وليس معنى مبايعتهم على الموت أنهم يلقون بأنفسهم إلى التهلكة حتماً، بل هي مبايعة على الثبات الراسخ، واليقين الذي لا يتزعزع، وعدم الفرار أمام جحافل الباطل، امتثالاً لقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} [الأنفال: 15]. وفي غزة اليوم، نرى هذا النموذج يتجسد حياً، حيث يُقدم المؤمنون أرواحهم قرابين في محراب الكرامة، مؤمنين بأن الموت في سبيل الله هو البداية الحقيقية للحياة.
فضيلة الجهاد: ذروة سنام الإسلام
يُعدّ الجهاد في سبيل الله مِن أفضل الأعمال وأزكاها بعد أداء الفرائض التي افترضها الله على عباده. ففي الحديث الصحيح أنَّ رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ؟ فَقالَ: «إيمَانٌ باللَّهِ ورَسولِهِ». قيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قالَ: «الجِهَادُ في سَبيلِ اللَّهِ»، قيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ».
وقد توقف الإمام ابن جرير الطبري عند هذا الحديث موضحاً: «إنما خص هذه الثلاثة بالذكر لأنها عنوانٌ على ما سواها من الطاعات؛ فمن ترك جهاد الكفار مع شدة عداوتهم للدين كان لجهاد غيرهم من الفساق أترك، فظهر أن الثلاثة تجتمع في أن مَن حافظ عليها كان لما سواها أحفظ، ومَن ضيَّعها كان لما سواها أضيع».
إن الجهاد عملٌ لا يعدله شيء، لأن المجاهد يبذل سر وجوده ومصدر بقائه، وهي الروح التي بين جنبيه. وجاء في الحديث: جَاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: دُلَّني علَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الجِهَادَ. قَالَ: «لا أجِدُهُ، قَالَ: هلْ تَسْتَطِيعُ إذَا خَرَجَ المُجَاهِدُ أنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ ولَا تَفْتُرَ، وتَصُومَ ولَا تُفْطِرَ؟» قَالَ: ومَن يَسْتَطِيعُ ذلكَ؟! قَالَ أبو هُرَيْرَةَ: إنَّ فَرَسَ المُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ في طِوَلِهِ، فيُكْتَبُ له حَسَنَاتٍ.
سر المنزلة العلية للمجاهد
لماذا نال المجاهد هذه المكانة؟ يجيب ابن دقيق العيد بقوله: «أن الجهاد وسيلة إلى إعلان الدين ونشره، وإخماد الكفر ودَحْضه». وعلق ابن حجر على ذلك مبيناً أن هذه الفضيلة الظاهرة تقتضي أن لا يعدل الجهاد شيء من الأعمال. ولهذا، كان الجزاء من جنس العمل؛ درجات عليّة في جنة عرضها السموات والأرض.
وفي الحديث الصحيح: «مَثَلُ المُجَاهِدِ في سَبيلِ اللَّهِ -واللَّه أعْلَمُ بمَن يُجَاهِدُ في سَبيلِهِ-، كَمَثَلِ الصَّائِمِ القَائِمِ، وتَوَكَّلَ اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِ في سَبيلِهِ إنْ تَوَفَّاهُ أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، أوْ يَرْجِعَهُ سَالِمًا مع أجْرٍ أوْ غَنِيمَةٍ». وهذا هو تحقيق الوعد الإلهي: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى}.
دحض شبهة القلة المستضعفة
قد يهمس الشيطان في صدور البعض قائلاً: كيف لثلة قليلة مستضعفة أن تواجه آلة بطش جبارة؟ وهي شبهة خبيثة تهدف لتأصيل العجز وتكريس الوهن. إن الله لم يطلب منا مكافأة العدو في عدده وعدته، بل طلب إعداد ما نستطيع: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60].
لم تكن الكثرة يوماً شرطاً للنصر في تاريخ المسلمين، بل العبرة بالروح الجهادية واليقين. يروى أن قتيبة الباهلي توغل في بلاد الصين، فحذره صاحبه من تقلبات الدهر، فأجابه بيقين المؤمن: «بثقتي بنصر الله توغلتُ، وإذا انقضت المدة لم تنفع العدة». فقال له المحذر: «اسلك سبيلك حيث شئتَ يا قتيبة؛ فهذا عزمٌ لا يفلّه إلا الله».
فلسفة البيع والشراء مع الله
يصور القرآن الكريم بذل النفس والمال في سبيل الله بصورة عقد تجاري (عقد سَلَم). يقول الطيبي: إن الله مثل صورة بذل المؤمنين لأنفسهم بالبيع والشراء، مبيناً أن مكان التسليم هو المعركة. وقد أبرز الله هذا الأمر في صورة الخبر المؤكد، وضمن الثمن بقوله: {وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا}، وأثبت هذا العقد في أقدس الكتب: التوراة والإنجيل والفرقان.
ويضيف ابن القيم كلاماً نفيساً: «فلما رأى التجار عظمة المشتري، وقَدْر الثمن، وجلالة قَدْر مَن جرى عقد التبايع على يديه… عرفوا أن للسلعة قدراً وشأناً ليس لغيرها… وقالوا: والله لا نقيلك ولا نستقيلك». فالمجاهد في غزة اليوم لا يرى في القصف والدمار إلا ثمناً يدفعه لرب كريم، موقناً أن نفسه التي بذلها قد ردها الله عليه أوفر ما كانت في جنات النعيم.
إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة
إن الصراع مع الباطل ينتهي دائماً بفوز المؤمن، سواء ظفر بالنصر المادي ودحر العدو، أو نال الشهادة. قال تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ}.
- الحسنى الأولى: هي الظفر والتمكين وإعلاء كلمة الله.
- الحسنى الثانية: هي الشهادة التي هي أرفع المنازل عند الله.
وهذا ما عبر عنه الشهيد الفلسطيني عبد الرحيم محمود بقوله:
نفسُ الشريفِ لها غايتانِ .. وُرُودُ المنايا ونَيْلُ المُنَى
فإمّا حياةٌ تسرُّ الصديقَ .. وإمّا مَماتٌ يغيظُ العِدَى
الحكم الغالية من مشروعية الجهاد
لم يشرع الله الجهاد عبثاً، بل لحكم عظيمة تشمل:
1. إقامة الدين: وتعبيد الخلق لخالقهم دون عوائق.
2. دحر الباطل: كسر شوكة الطغيان التي تصد الناس عن الحق.
3. دفع الأذى: حماية المسلمين من تغول الكافرين.
4. رد المعتدين: كما قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا}.
ولولا هذا الدفع لفسدت الأرض، ولهُدمت صوامع الرهبان وبِيَع النصارى ومساجد المسلمين. فالجهاد هو الحارس الأمين للمقدسات والحريات.
الفرق بين النصر والتمكين
يجب أن ندرك أن هناك فرقاً بين النصر التراكمي والتمكين النهائي. النصر قد يكون جزئياً بإحداث نكاية في العدو أو فضحه أخلاقياً وإضعاف روحه المعنوية. تأملوا قصة بلال بن رباح وسمية؛ ظاهرياً كانوا تحت العذاب، لكنهم انتصروا بثباتهم، بينما انهزم أبو جهل وفرعون نفسياً لأنهم لم يغيروا من عقيدة خصومهم قيد أنملة.
في غزة، قد لا نرى التمكين الكامل الآن، لكننا نرى نصراً معنوياً هائلاً، وفضحاً لمخططات الأعداء، وثباتاً أسطورياً يُعدّ في ميزان الله فوزاً عظيماً. إن المسلم يعمل ولا يتوقف، واضعاً نصب عينيه قوله تعالى: {قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَ عاملٌ}.
الشهداء أحياء: حقيقة لا خيال
حين نرى أشلاء الأطفال والنساء في غزة، قد تدمع العين ويظن البعض أنهم فُقدوا بلا ثمن. لكن القرآن يصحح هذه النظرة: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ}.
إنها حياة حقيقية برزخية، أرواحهم في حواصل طير خضر، تسرح في الجنة وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش. وهم من فرط ما يجدون من الكرامة، يتمنون العودة للدنيا ليُقتلوا مرة أخرى في سبيل الله. قال صلى الله عليه وسلم: «ما أحَد يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيا… غَيْرُ الشَّهِيدِ، فإنَّه يَتَمَنَّى أنْ يَرْجِعَ، فيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ؛ لِما يرى مِنَ الكَرامَةِ».
الخاتمة: الثبات هو النصر الأكبر
إن الخلاصة التي نتعلمها من مدرسة الشهادة في غزة هي أن الثبات على الحق هو النصر العظيم. إن سحرة فرعون حين آمنوا، هددوا بالصلب والتقطيع، فكان ردهم: {فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}. هذا الاستعلاء على الألم هو قمة الفوز.
نسأل الله العلي القدير أن يتقبل شهداءنا في غزة وفي كل مكان، وأن يربط على قلوب المرابطين، ويرزقنا إيماناً كإيمانهم، وثباتاً كبأسهم، ويجمعنا بهم في مستقر رحمته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.


اترك تعليقاً